بيان أمانة الرسول ﷺ
وأما مسألة الوحي إلى سيدنا رسول الله ﷺ فتعالوا ننظر إلى الموحى إليه ﵊ من زوايا ثلاث: شهادة الخصوم له، وشهادة الأتباع، وشهادة الواقع.
فأما الخصوم فهل كان أبو جهل وأبو لهب وعقبة بن أبي معيط وأمية بن خلف وأبو سفيان بن حرب ليسوا مقتنعين بصدق رسول الله وقد كان يسمى في الجاهلية الأمين؟ وفي ليلة الهجرة جعل رسول الله ﷺ عليًا ينام في مكانه لسببين: السبب الأول: من أجل أن يعمي على قريش.
والثاني: أنه قال لـ علي: يا علي! عندما تستيقظ في الصباح أعد أمانات قريش إلى أصحابها، فهم يبحثون عنه من أجل أن يقتلوه، وهو يبحث من أجل أن يرجع لهم أماناتهم، فأي أمانة تلك؟! ولنفرض جدلًا أن أباك ترك عندك مائة جنيه، وأخاك ترك معك مائة جنيه، ثم تخاصمتما فشتمك وطردك من بيته ولم يرض أن يزوج بنته لابنك، وأكل في ميراثك من أبيك، فهل سترجع له المائة جنيه؟ الشيطان سيقول: هذا من حقك، وهذا الذي أنت ستقوله، ولكن سيدنا الحبيب ﷺ لما أخذت قريشًا بيوت الصحابة وأموالهم وخرجوا مهاجرين إلى الحبشة بثيابهم وبرواحلهم، وتركوا دورهم وحقولهم وآبارهم وأموالهم فأخذتها قريش غنيمة ورغم ذلك ما استحل النبي ﷺ لنفسه أن يأخذها كبدل لما ضاع من صحابته، بل بالعكس قال: (أرجع يا علي! ما ائتمنتنا عليه قريش) فهو الأمين ﷺ.
وأول خصم له أبو جهل، ولا يوجد خصم ألد من هذا الخصم، فقد كان خصمًا عنيدًا، وكان يقول: تسابقنا وبنو هاشم، أطعموا فأطعمنا، وسقوا فسقينا، يعني: أكرموا الناس بأن عملوا مثلهم، وقالوا: فينا السقاية فقلنا: فينا الحجابة، فقالوا: فينا السدانة، فقلنا: فينا اللواء، فقالوا: منا نبي، فأنى لنا بهذا الشرف؛ والله لن نؤمن به أبدًا، يعني: المسألة تنافس غير شريف.
والرسول ﷺ وهو راجع من رحلة المعراج لقيه أبو جهل فقال له: قل لنا ما يثبت صدق كلامك، وأنك كنت في بيت المقدس وصعدت إلى السماء ورجعت في جزء من الليل، ونحن نذهب إليها في شهر ونعود في شهر، فقال له: ماذا تريد أن تعرف؟ قال له: صف لنا المسجد الأقصى، وهو دخل المسجد الأقصى وجلس فيه جزءًا من الليل، مقدار صلاة ركعتين، يعني: مقدار ربع ساعة، والوقت ليل، والمسجد الأقصى مسجد كبير ليس صغيرًا، فكيف يصفه وهو قد دخله في جزء من الليل وما مكث فيه إلا قليلًا ثم خرج، فإذا بجبريل ﵇ ينقل المسجد الأقصى أمام رسول الله ﷺ، أو ينقل ما يشابهه بقدرة الله.
ملك الملوك إذا وهب لا تسألن عن السبب فجبريل نقل المسجد الأقصى على يده فكان الرسول ﷺ ينظر ويصفه، فيه كذا باب وكذا شباك وكذا سارية وفيه كذا وفيه كذا، وسيدنا أبو بكر لأنه كان كثير السفر كان يقول: صدقت يا محمد! صدقت يا حبيب الله! صدقت يا رسول الله! صدقت يا صادق يا أمين! صدقت يا من لا تنطق عن الهوى! فسمي من يومها الصديق، لأن الكل كان يكذبه، وهو الوحيد الذي كان يقول له: صدقت.
فقالوا له: زدنا أمارة أيضًا مع أنه قد وصف المسجد تفصيلًا فقال: إن هناك قافلة قادمة، وفي القافلة بعير عليه غرارة سوداء - قطعة قماش سوداء - فرأى البعير البراق فجفل، - يعني: خاف - فتحرك سريعًا فكسرت ساقه، وسوف تصل القافلة قبل غروب شمس غد بإذن الله، وقد كان العربي يعرف المسافات والأزمنة ويحسبها فأوشكت الشمس على المغيب ولم يظهر في الأفق أثر للقافلة، ففرح أبو جهل وأبو سفيان وأبو لهب وشمتوا وقالوا: لقد كذبت علينا، فقال: يا رب! أخر لي قرص الشمس عن السقوط حتى تصل القافلة، فصاح صائح من قريش: إن قرص الشمس قد سقط خلف الجبل، فصاح آخر: وإن القافلة قد ظهرت، هذه هي الأمانة، فكان الخصوم لا يقدرون أن يكذبوه، والصدق هو أول شروط النبوة! وليس هذا فقط، بل كان يقول: لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة أعين، يعني: لا يأتي من خلف أحدهم ويتكلم عليه، وكان لا يحب أحدًا من أصحابه يكلمه عن أحد من أصحابه، ويقول: أريد أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر.
وعمر بن عبد العزيز قال في أول يوم تولى الإمارة: الذي يدخل عندنا أشترط عليه ثلاثة شروط: ألا يغتاب عندنا أحدًا، وألا يمتدحنا، فنحن أعلم بأنفسنا، وأن ينقل إلينا حاجة من لا يستطيع نقلها.
يعني: إذا كان هناك أحد مظلوم في أقصى البلاد لا يستطيع أن يوصل شكواه فأوصلها أنت مشكورًا، فما دخل عليه إلا أهل العلم.
11 / 7