Tuhfat Nazir

تحفة الناظر وغنية الذاكر في حفظ الشعائر وتغيير المناكر

Editor

علي الشنوفي (أستاذ مُبرِّز)

Penerbit

المعهد الثقافي الفرنسي - دمشق

Lokasi Penerbit

سوريا

تحفة الناظر وغنية الذاكر في حفظ الشعائر وتغيير المناكر
تأليف
أبي عبد الله محمد بن أحمد بن قاسم بن سعيد العقباني التلمساني
(فقيه توفي بتلمسان عام ٨٧١ هـ - ١٤٦٧ م)
تحقيق
علي الشنوفي (أستاذ مُبرِّز)

Halaman tidak diketahui

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وسلم
يقول العبد المفتقر إلى عفو ربه بتقصيره وعيبه راجي رحمته عبيده سبحانه محمد بن الحسن بن قاسم بن سعيد العقباني غفر الله له ورحمه بمنه وكرمه آمين: الحمد لله الذي قمع بزاجر عقابه وحده من ارتكب مخالفة نهيه وأمره * وصدع بأليم عذابه وصده * قلب من نازع الحق في ملموس سره أو وضوح جهره * وردع الكآبة بحماية الخاصة لبيضة الإسلام وما احتوت عليه من مصالح الأنام في طي الإبلاغ ونشره حلوه ومره * وشرع في خلقه الاستنان بتغيير المناكر وجوبًا مؤكدًا وفرضًا مؤبدًا ما تعاقبت الملوان في أزمنته ودهره * وجعلهم في هذه الملة السمحاء * والشرعة الغراء * بهذا السبب المكين * والحبل المتين * من خير أمة وأكمل لهم دينهم الذي ارتضى لهم وأئمة فسطع نوره على الأديان بعناية الملك الديان تكريمًا لشأنه وتعظيما لقدره نحمده على ما أسدى عليا من نعمه المتظافرة * ونشكره على ما أبدى لدينا من آلائه المتواترة * ونصلي على سيدنا ومولانا محمد خير من أطلعه الله على مكنونات غيبه * وألقي عليه من نباه الكريم قولا ثقيلا فتلقاه بسامي جأشه * وحاضر ذكره وأمره * أن يصدع بما أتاه * ويعرض عمن ناداه * ببادي جحده وعناد كفره * فلم يزل دينه القويم وهديه المستقيم يظهر ويبدو * ويسمو ويعلو * حتى دخل الناس في دين الله أفواجًا * وأولج المكذبون له أنفسهم إيلاجًا * بمرهقات هذا النبي الكريم * وأسنة قهره صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وعثرته الكرام وحزبه ما دام المسبح لله من حي ونبات وصلد وجماد ويسبحه في بره أو بحره. أما بعد فإنك سألتني أن أقيد لك ما حضرني إملاؤه * وأنهى للمسترجي والناظر والقارى ما وسعني إنهاؤه * في شأن الواجب من تغير المنكر وعلى من وجوبه * وفي أي وقت يجب وما يسقط وجوبه * بحدوث ما يتقى أو يحذر وما يفترق به المنكر من غيره مما لا يسوغ أن يبدو في وقت من الأوقات أو يظهر وهل التغيير مخصوص بأهل هذا الدين من المسلمين طوائف أو يشمل من آمن ومن كفر فاعلم وفقنا الله وإياك لجادة الصواب * ومن علينا بالعصمة من زلة القدم وعبث القول في الخطاب أو الكتاب * أن علماء الأمة ﵃ بسطوا القول فيما سألت عنه من تغيير المناكر * وإقامة الحدود والزواجر الشرعية لحفظ الشعائر * في كتبهم المبسوطة المشهورة *

1 / 1

وأقاويلهم المنثورة المأثورة * بحيث تكون مراجعتها مغنية عن السؤال وتلخيص ما طلبته مني في ذلك من جامع الجواب وتهذيب المقال * إذ لم نستحصل من فايض بحورهم العذبة الرايقة * ومعاني أوصافهم وتهذيب المقال * إذ لم نستحصل من فايض بحورهم العذبة الرايقة * ومعاني أوصافهم الجمة الفائقة * إلا اشتمام الرائحة بالأنوف المغلقة * وإعمال الفكرة المشوشة * بالصوارف المحدقة * بما لا يصل إلا وصولًا ضعيفًا لهذه الأفئدة المعلقة * ولكني أستمد من قهر كلامهم ما أضعه لك في هذا الكتاب على شكل التذكرة فلعلك إن راجعت في كتبهم المسطورة * ورواياتهم المشهورة * حصلت على طايل من الاستفادة والتبصرة فقيدت لذلك فيه لك ما حضرني تقييدًا يتبين معه قصوري أو قلة شعوري ولكن الذي سهل علي طريق الأخذ فيه ما زكنته من سماحة الفضلاء وتجاوز السادة النبلاء * فإن تجد عيبًا فسد الخللا * فجل من لا عيب فيه وعلا * وسميته بتحفة الناظر وغنية الذاكر في حفظ الشعائر وتغيير المناكر * فإن نظره الناظر فيه بعين الصفح بعد التصفح فأقول قطني وحسبي * وإن نظره بعين القدح ولو مع التلمح فلا أزل قائلًا إن ذلك من لازم عيبي وسجية النقص التي هي دائمًا من دأبي * والله يغفر لي من هفوت تعلق بها لساني * أو جفوة خطتها أناملي وبناني * فقلما يخلو من ذلك مؤلف * أو يسلم منه مصنف * ومنه سبحانه أرتجى التوفيق للظفر بمسالك الصواب * وأسأله السداد والعون لما يرضاه ويحبه في البداية وحسن المئاب وقسمته على ثمانية أبواب وخاتمة الكتاب.
الباب الأول في دليل مشروعيته
الباب الثاني في محال فرضه وندبه وحرمته
الباب الثالث في المغير وشروحه
الباب الرابع في كيفية التغيير ووجه تناوله
الباب الخامس في وجوه مراتبه
الباب السادس في معرفة طريق الكشف عنه
الباب السابع في أعيان صوره واختلاف محاله
الباب الثامن فيما يختص به من ذلك من سألت عنه من أهل الأمة ومن كان في شكلهم من المعاهدين
الخاتمة في الأصل في ولاية المتولي لذلك بم تفترق من غيرها من الولايات الشرعية.

1 / 2

الباب الأول
في دليل مشروعيته
قال مولانا ﷻ في محكم تنزيله * ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن النكر أولئك هم المفلحون﴾ * وقال تعالى * ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله﴾ فقرن تعالى بالمعروف والنهي عن المنكر بالإيمان بالله الذي هو أصل السعادة وسبب النجاة والسلامة لعظيم خطره وجلاله قدره وسبب ذلك كانوا خير أمة أخرجت للناس واستحقوا مدحة الله التي هي أكبر نعمة وقال تعالى * ﴿الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهو عن المنكر﴾ * فقرنه أيضا مع الصلاة والزكاة التي هي عماد الدين وشعار المسلمين وبترك ذلك عاب على بني إسرائيل وأوجب عليهم اللعنة وقال تعالى * ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى بن مريم ذلك بما عصو وكانوا معتدين كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون﴾ * وقال تعالى * ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين﴾ * وقال ﷺ: والذي نفس محمد بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد السفيه ولتطرنه على الحق أطرا أو ليصرفن قلوب بعضكم على بعض ويلعنكم كما لعن بني إسرائيل كان إذا عمل العامل منهم بالخطيئة نهاهم الناهي فإذا كان من الغد جالسه وواكله وشاربه وكأنه لم يره على خطيئة بالأمس فلما رأى الله منهم ذلك صرف قلوب بعضهم على بعض ولعنهم على لسان نبيهم داوود وعيسى صلى الله عليهما ذلك بما عصوا وكانوا معتدين. وقال رسول الله ﷺ: " إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة ولكن إذا عملوا المنكر جهارًا استحقوا العقوبة كلهم وقالت عائشة رضها: قال رسول الله ﷺ: عذب الله أهل قرية فيها ثمانية عشر ألفا أعمالهم كأعمال الأنبياء. قالوا يا رسول الله: كيف ذلك. قال: لم يكونوا يغضبون لله ﷿ ولا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر.

1 / 3

الباب الثاني
في محال فرصة وندبة وحرمته
أما حكمه ففرض متأكد وواجب متعين فلا أحد من المخاطبين إلا وقد تعين عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولو في نفسه وأهله وعياله: قال رسول الله ﷺ: ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته. الحديث في هذا عام الأعيان وكذلك فيما حضر أحد مواقعة أحد المنكر أو علمه فأمكنه القيام مع وجود الشروط وانتفاء الموانع وجب ذلك عليه. قال ﷺ: من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده * فإن لم يستطع فبلسانه * فإن لم يستطع فبقلبه * وذلك أضعف الإيمان. فلا يسقط جرحه من رأى منكرًا وعلمه ولا القيام بتغييره على الفورية بحيث لا يمر عليه زمن تفريط لأن كون القيام بذلك من الإيمان يدل على أن تركه من الضلال والخسران وإذا كان ذلك واجبًا متأكدًا على كل من علمه بحسب وسعه فهو على الأئمة والولاة والقضاة وسائر الحكام أوجب وآكد إنهم متمكنون من التغيير بعلو اليد وامتثال الأمر ووجوب الطاعة وانبساط الولاية. يدل عليه قله سبحانه * ﴿الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا لزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر﴾ * فإن من أنواع القيام بذلك ما يدعو إلى الاستيلاء وإقامة الحدود والعقوبات مما لا يفعله إلا الولاة والحكام. فلا عذر لمن قصر منهم عند الله تعالى لأنه إذا أهمل هؤلاء القيام بذلك فجدير ألا يقدر عليه من هو دونهم من رعيتهم فيشك أن تضيع حرمات الدين ويستباح حمى الشرع والمسلمين. فحكمه على الجمة الفرض المتأكد لكن قد ينقلب إلى الامتناع والحرمة وذلك في حق شخصين أحدهما الجاهل بالمعروف وبالمنكر بحيث لا يميز موضوع أحدهما من الآخر فهذا ايحرم في حقه فإذا كان عالمًا بالمعروف والمنكر وأمن من التسبب بمنكر أعظم وعلم أو غلب على ظنه أن إنكاره المنكر مزيل له وأن أمره بالمعروف مؤثر فيه ونافع وجب عليه التغيير وإذا لم يعلم ذلك ولا غلب على ظنه لم يجب عليه أمر ولا نهي ولهذا قال الشيخ ابن رشد "في مقدماته" وفي بيانه فالشرطان الأولان مشروطان في الجواز والشرط الثالث مشترط في الوجوب فإذا عدم الشرط الأول والثاني

1 / 4

لم يجز أن يأمر ولا ينهى وإذا عدم الشرط الثالث ووجد الشرطان الأولان جاز له أن يأمر وينهى ولم يجب ذلك إلا أنه يستحب له وإن غلب على ظنه أنه لا يطيعه إذ لعله سيطيعه.
تنبيه: قال الإمام أبو حامد الغزالي رضه في كتابه الذي سماه " بالأربعين" كل من شاهد منكرا ولم ينكر" وسكت عنه فهو شريكه: فالمستمع شريك المغتاب: ويجري هذا في جميع العاصي حتى في مجالسة من يلبس الحرير والديباج ويتختم بالذهب ويجلس على الحرير والجلوس في دار أو حمام على حيطانها صور أو فيها صور أو أوان من ذهب أو فضة أو الجلوس في مجلس وعظ يجري فيه ذكر البدعة أو في مجلس مناظرة أو مجادلة يجري فيها الإيذاء والإفحاش بالسفه والشتم. وبالجملة من خالط الناس كثرت معاصيه وإن كان تقيًا في نفسه إلا أن يترك المداهنة ولا يخاف في الله لومة لائم. وإنما يسقط عنه الوجوب في أمرين: أحدهما أن يعلم أنه إذا أنكر لم يلتفت إليه ولم يترك المنكر ونظر إليه بعين الاستهزاء.
قال الغزالي: وهذا هو الغالب في منكرات يرتكبها الفقهاء ومن يزعم أنه من أهل العلم والصلاح فها هنا يجوز السكوت ولكن يستحب الزجر باللسان إظهارا لشعائر الدين مهما لم يصدر على الزجر باللسان ويجب أن يفارق ذلك الموضع فليس يجوز مشاهدة المعصية بالاختيار فمن جلس مجلس الشراب فهو فاسق وإن لم يشرب وإن جالس مغتابًا أو لابس حرير أو آكل ربا أو حرام فهو فاسق إن لم يقم من موضعه وقوله سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ معناه في الزمان الذي لا ينتفع فيه بالأمر بالمعروف ولا بالنهي عن المنكر ولا يقوم من ينكره على القيام بالواجب في ذلك فيسقط الفرض فيه ويرجع أمره إلى خاصة نفسه ولا يكون عليه سوى الإنكار ولا يضره مع ذلك من ضل. يبين هذا ما روي عن أنس بن مالك رضه قال: قيل يا رسول الله متى يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: إذا ظهر فيكم ما ظهر في بني إسرائيل، قيل: وما إلى ذلك يا رسول الله؟ قال: إذا ظهر الإدمان في خياركم والفاحشة في صغاركم وتحول الملك والفقه في أرذالكم وشراركم. وما روي عن أبي أمية قال: سألت أبا ثعلبة الخشنى: قلت كيف نصنع في هذه الآية؟ قال أية آية؟ قلت: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ فقال لي: أما والله لقد سألت عنها خبيرًا سألت رسول الله ﷺ عنها فقال لي ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحًا مطاعًا وهوى متبعًا ودنيا مؤثرةً وإعجاب كل ذي رأي برأيه ورأيت أمرًا لا بد لك منه فعليك بنفسك وإياك وأمر العوام فإن من ورائكم أيامًا

1 / 5

الصبر فيهن صبر على مثل قبس على الجمر للعامل الواحد منهم كأجر خمسين رجلًا يعملون مثل عمله.
قال الشيخ بن رشد رحه ورضه: وما أشبه زماننا بهذا الزمان تغمدنا الله منه بعفو وغفران وأقول إذا حقق الشبه في زمانه بما أنار به ﵇ الذي كان زمانه المائة الخامسة وهي من خير الأزمنة التي تكاملت فيها مواد العلم ولاحت أنواره بوجود وذويه كالإمام أبي عبد الله محمد المازري وأبي حامد الغزالي ونظرائهما فكيف بزماننا هذا الذي هو على ما هو عليه! قال ابن رشد: ولكن مهما كان الزمان زمانًا يوجد على الحق فيه معين لله فلا يسع أحدًا فيه السكوت على المنكر وترك تغييره. قال عمر بن الخطاب رضه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه يوشك أن يعمهم بعقاب من عنده.
الثاني من الأمرين اللذين يسقط بهما الوجوب أن يعلم أنه يقدر على المنع من المنكر بأن يرى زجاجة فيها خمر فيكسرها أو يسلب آلة الملهى من يد صاحبها ويضربها على الأرض ولكن يعلم أنه يضرب أو يصاب بمكروه فهاهنا يستحب له التغيير لقول الله ﷿ ﴿واصبر على أصابك﴾ ولا يجب تركه لأجل ذلك. قلت: والظاهر ممن كلام ابن رشد وجوب الترك مع تيقن الإذاية لا سقوط الوجوب خاصة وبقاء الاستحباب. فتلك طريقة عز الدين بن عبد السلام. وعين ما قاله الإمام أبو حامد الطوسي رضه ولكن ما قاله ابن رشد أظهر من جانب النظر وأرجح من طريق المعنى بعموم قوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ ويكون قوله سبحانه: ﴿واصبر على ما أصابك﴾ مخصوصًا بشأن المخاطب هذا وهو ابن لقمان الحكم بوصية أبيه له بناء على أن شرع من قبلنا شرع لنا وعلى نفسه فلا عموم ولا خصوص هذا إن كانت الوصية منه تقرير شريعة وإنك انت مجرد وصية بالورع فليس مما نحن فيه.
ثم كمل الغزالي هذا الفصل بفائدة قوله: " وعلى الجملة فلا يسقط الوجوب إلا بمكروه في بدنه بالضرب أو في ماله بالاستهلاك أو في جاهه بالاستخفاف به بوجه يقدح في مروءته. فأما خوف استيحاش المنكر عليه وخوف تعرضه له باللسان وعداوته أو توهم سعيه في المستقبل بالسوء أو يحول بينه وبين زيادة في الخيرات بتوقعها فكل ذلك موهومات وأمور ضعيفة لا يسقط بها الوجوب".

1 / 6

الباب الثالث
في المغير وشروطه
يعتبر في مغير المنكر أربعة شروط: أن يكون مسلمًا مكلفًا عالمًا بذلك المنكر. وصفة التغيير والقدرة على القيام به. فأما الإسلام والعلم فهما شرطان في صحة القيام فلا يتوجه مع عدمهما إذ لا يصح تغيير الكافر إذ التغيير انتصار لدين الله سبحانه وجحد الكافر يأتي انتصاره لما جحد وكابد عليه لأنه استخفاف بالإسلام فلعله لا يقصد بذلك إلا الوصول إلى احتقارهم والشين بالاستطالة عليهم فلا يسوغ تمكينه منه لقول الله سبحانه: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا﴾ وقال ﷺ لن أستعين بمشرك ومثله في الحكم الجاهل بموجب القيام لأنه يحرم في حقه كما تقدم في الباب الثاني قبل إذ لا يحل قياه فيما جهل حقيقته من المنكرات أو طريق الإنكار فيها فإن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال فلا يستوي إنكار الولد على أبيه والعبد على سيده والرعية على أميرها ومن شاكلهم من سواهم ونحو ذلك مما يؤول أمره إلى ما هو أنكر منه فمن كان يجهل شيئًا من هذه الأمور فلا يباح قيامه فيما لم يعلم منها ويباح فيما علم لوجود الشرط فيه. وأما الشرطان الباقيان وهما التكليف والقدرة على التغيير فهما شرطًا وجوب على من حصلا فيه مع شرطي الصحة المتقدمين لأن غير المكلف لصباه أو جنونه غير مخاطب فلا يلزمه قيام إلا أن الصبي إذا عقل القربة وعرف المناكر وطريق التغيير فتبرع به كان منه صحيحًا سائغًا وأثيب عليه في القيامة ولا إثم عليه في الترك بخلاف المكلف ومثله من لا يقدر على التغيير حسبما تقدم إما لعلمه عدم الجدوى في قيامه وإما لتقيته على نفسه. فوجوب القيام عنه ساقط وإنما يجب عليه الإنكار بقلبه ولكن يستحب له على ما تقدم نقله عن الإمام الغزالي وعلل بعض الشيوخ هذا الاستحباب مع وجود التقية بتحصيل فائدة أخرى غير تغيير المنكر وهي التنبيه على حدود الله والإظهار لشعائره وحرماته فإنها كما قال مولانا الكريم من تقوى القلوب إذ التمالك في مثلها على السكوت قد يوهم الرضى أو التساهل فيوقع اعتقادًا عند ضعيف الإيمان أن ذلك من قبيل الجائز فإذا تبرع أحد بذلك مع قيام مانع التقية عظمت مثوبته عند الله وهو في سعة من الترك بخلاف انخرام شرطي الصحة المتقدمين فإن القيام مع عدمهما أو عدم أحدهما باطل. وتقدير ما في هذا اباب من المعنى قريب من معنى ما في الباب الذي قبله. لكن افترقا في ذلك فالأول في حكم التغيير

1 / 7

وهذا في حكم المغير وإن كان بينهما تداخل بحسب ما اجتنباه من نقل الأئمة ﵃. واختلف في العدالة هل هي شرط في صفة المغير أو لا. فاعتبر قوم شرطيتها ورأوا أن الفاسق لا يغير وأبى من اعتبارها آخرون. وذلك الصحيح المشهور عند أهل العلم لأن ذلك من الشروط الواجبة على الشخص في رقبته كالصلاة فلا يسقطه الفسق كما لا يسقط وجوب الصلاة التعلق التكليف بأمر الشرع قال ﵇: من رأى منكرًا فلغيره وليس كونه فاسقًا أو ممن يفعل ذلك المنكر بعينه يخرجه عن خطاب التغيير لأن طريق الفرضية متغاير. قال أنس بن مال رضه: قلت يا رسول الله لا تأمر بالمعروف حتى نعمل به كله ولا ننهى عن المنكر حتى نعمل به كله. قال بلى مروا بالمعروف وإن لم تعملوا به كله وانهوا عن المنكر وإن لم تجتنبوه كله. وقال الحسن البصري رضه: يريد أن لا يظفر الشيطان منكم بهذه الخصلة وهي لا تأمروا بالمعروف حتى تأتوا به كله. قال الغزالي رضه: يعني أن هذا يؤدي إلى حسم باب الحسبة فمن ذلك يعصم عن المعاصي. ويروى عن سعيد ابن جبير رضه أنه قال: إن لم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر إلا من لم يكن فيه شيء لم يأمر أحد بشيء. وأعجب ذلك مالكًا من قول سعيد وإنما ينبغي لمن يغير منكرا على غيره أن يفتتح أولا بنفسه ويكون أمرها في ذلك من أهم أموره وبداية نظره. وكذلك جميع من لزم تعلقه به من أهله ورفيقه وحاشيته. فإن أوجب الناس حقًا على المكلف العاقل نفسه ثم حاشيته لتنبيهه ﷺ ذلك بقوله: إبدأ بنفسك ثم بمن تقول وكذلك أمره تعالى له ﵇ في قراءته خصوصا وتوكيدا بقوله: ﴿وانظر عشيرتك الأقربين﴾ فالعاقل من ابتدأ بالنظر لنفسه وعم أهل حبه وأنسه فلا يأمر يمعروف إلا أتاه ولايته عن منكر إلا تجنبه ووقاه وليتنح عن أن يكون طالبا في صلاح غيره باخلا بالخير على نفسه فتلك تجارة خاسرة * وقدم في محل الحق عاثرة * فحيثما نكد عن حساب قلبه واشتغل بالأخذ على غيره فقد استحق وصف المقت عند الله إذ يقول جل من قائل ﴿كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾ وقال سبحانه ﴿أتأمرن الناس بالبر وتنسون أنفسكم﴾ وقال أسامة بن زيد: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق فيها أقتاب بطنه فيدور فيها كما يدرو الحمار برحاه فيجتمع إليه أهل النار فيقولون يا فلان ما لك لم تكن تأمر بالمعروف وتنهى المنكر فيقول كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه فناهيك بهذا تبابا وإبعادا حتى أظهر قباحة هذا النوع شاعر القوم حيث يقول:

1 / 8

لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم
فالكيس من اقتص من جوده لحفظ وجوده وأفرغ من اهتمامه وقيامه في استحصال مصلحته وقوامه فكما لا يليق به الاشتغال عن نفسه والاقتصار على فائدة غيره فكذلك لا ينبغي له أيضا الاقتصار على صالحة نفسه والاعتراض عما باشر من أحوال غيره فإنهما فرضان متغايران لا ينوب أحدهما عن الآخر صدع بوجوبه الكتاب والسنة كما قدمنا نصوص أدلته في الباب الأول. فمن لم يفعل ذلك على حقيقته وأتى الأمر فيه من غير بابه وطريقته استحق الرمي بمهام الوعيد الوارد في قوله ﷺ لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر وليسلطن الله عليكم شراركم ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم فأي أمر أكبر شرا وأعظم مصابا مما تتعدى إلى الغير تبعته وتتجاوز الفاعل عقوبته كما قال ﷺ: إن الله لا يعذب العامة بذنوب الخاصة حتى يرى المنكر بين أظهرهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكرونه. وكما روي: أن زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ قالت: يا رسول الله الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث. فكل شخص لزمه خطاب التكليف لا يسعه في الأمرين شيء ما في التسويف وذلك استقامة في نفسه والضرب على يد غيره بالتغيير فأيهما امتثل أمر الله فيه سقط إثمه وأثيب على فعله وإن تركهما كليهما فقد تعاظم عليه الوزر وتضاعف الفساد والشر فلا ينبغي لمن ترك أحد الجانبين وعليه شيطانه على إهماله أن ينسى حق الله وخطاب أمره في الجانب الآخر فيكون من الأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا أعاذنا الله من شدد البلاء بحصول الأمل.
قال مالك: في جامع المستخرجة: أنهم يحسنون صنعا أعاذنا الله من شديد البلاء بحصول الأمل.
قال مالك في جامع المستخرجة: كان يقال من أشد البلاء الإملاء في المعاصي.
قال ابن رشد رحه: وهذا بين يشهد له قول الله ﷿ ﴿إنما نملي لهم ليزدادوا إثما﴾ ولا شيء في الإملاء أكبر من كون الإنسان يفعل المعصية في نفسه ولا ينكرها على غيره.
واختلف أيضًا: هل من شرط مغير المنكر أن يكون مأذونًا من الإمام أو أحد من الحكام فرآه بعضهم ومنع آحاد الناس من ذلك ومنعه آخرون. وذلك الصحيح المشهور الذي عليه الكافة والجمهور لوضوح فساد الأول بمصادقة عموم أي القرآن وصحيح الآثار قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ....﴾.
وقال ﷺ: من رأى منكرًا فليغيره: إلا أنه يتأكد على الإمام الأعظم جعل الله نصره بالتأييد على إقامة الحق داعيا وبأعباء معالم الشرع في كل

1 / 9