840

Tuhfat Asmac

تحفة الأسماع والأبصار

وأما مولانا محمد بن الحسن - أيده الله - والسبب الداعي لوصوله إلى اليمن الأسفل وذلك أنها معظم ولايته مع تهامة، ومداينها وبنادرها، وقد طالت إقامته في صنعاء وبعد عهده بها فخرج من صنعاء المحروسة في شهر جمادى الأولى عام اثنين وسبعين وألف [ديسمبر 1661م] وأقام في ذمار ليالي، وتقدم إلى محروس مدينة إب ووصله العمال من جميع اليمن ، وكبراء أهله مما ينبغي من الضيافات والخيل وما بعدها، وأخذ في تفقد البلاد والمظالم - وله في ذلك أخبار يجب أن تكون فيها الأسوة، وأن تكون لمن بعده قدوة فإنه - أيده الله- يتولى أكثر أعمال أهل بلاده، وأجناده بحواسه ويده، وله في تدقيق ذلك مالا يدركه[291/أ] الفهم ولا يحكيه الوهم، قال من وقف على أمره في اليمن أنه كان يراه في كل يوم يأمر بتوقيع أهل الخلعات من سائل ومستعد، ويستدنيهم إليه، ويقضي حوائجهم ويناظر بينهم، وقد يقضي ويفتي في هذا المجلس العام، ولا ينصرف إلا لضيق وقت الصلاة ويأمر بعشائهم، ويقضي كثيرا مع ذلك من حوائجهم، فإذا صلى المغرب بأصحابه التفت إلى قراءة القرآن من ورد، ومن القراءات السبع مع أوراده المعتادة في جميع أصناف العلوم، فإذا فرغ من ذلك بعد صلاة العشاء، عاد إلى شيء من نظم الأعمال.

أخبرني بعض الفقهاء العدول أن سائلا سأله عن واقعة بينه وبين خصمائه أن يقطعها بينهم، وكان قد مضى من وقت القضية أكثر من أربعة أشهر، وأراد السائل أن يعمي في بعض أطرافها، فقال - أيده الله- الأمر على خلاف ما تقول وصمم ذلك الرجل على دعواه، قال: فاستخرج من جيبه رقعة من يوم التخاصم على ما حكى بين المتشاجرين.

وأخبرني بعض الأولاد - أسعدهم الله - عن ولده السيد الفاضل العالم التقي إسماعيل بن محمد - أيده الله - أنه سأل والده - حفظه الله - مع بعض الخواص أيضا أن يريح نفسه يوما في بعض بساتينه في صنعاء ويسرهم باجتماعهم به على حالة موافقة، ويتنعم معهم بما تفضل الله به، قال: فلا زال يعدنا من يوم إلى آخر حتى أخفيناه السؤال، فأمر أن يفرش في بعض البساتين وخرج وخرجنا إلى ذلك البستان، ثم وقف قليلا، وقال: أهل الحاجات وراء الباب اذهب يا فلان لبعض صغار العبيد أتيني بالأوراق التي في الخرق الفلانية، فلما أحضرها أقبل إليها كعادته يقضي لكل حاجة، وقام من ذلك المجلس، وقد استقصى ما وجد من حوائج ثم قام ولم يلتفت إلى غير ذلك، وعرض هذا العارض المتقدم ذكره، وهو في اليمن، فأصلح الله به كثيرا مما كان، والحمد لله رب العالمين.

Halaman 1114