759

Tuhfat Asmac

تحفة الأسماع والأبصار

وكان هذا تدبيرا نافعا، فإنه لو أراد الخروج عليهم لم يتمكن منه لبعد المسافة التي بين حضرموت وظفار فإنها نحو ثمانية عشر يوما للبريد فيكون للأثقال أكثر من شهر، وهي مفاوز قليلة الماء وأيضا تحتاج إعادة ابتداء المخرج ومؤنه التي جمعها من صنعاء واليمن وقد صار في بلاد لا يجد ما يقوم به كما تقدم، فرضى منهم بظاهر الطاعة وقرر السلطان بدر بن عمر على ما كان إليه وما كان إلى ولد أخيه السلطان بدر بن عبد الله من بلاد حضرموت والشحر وما والاها من ولاية السلاطين آل كثير واستخلف السلاطين آل كثير أيضا للسلطان بدر بن عمر، وقد تقدم إن كبارهم قد صاروا عند مولانا الإمام، ثم بعد ذلك قبض على من عرف فساده واعتدائه في الطرقات، واحتملهم معه مكبلين في الحديد وكذلك الشيخ الواحدي والعولقي وغيرهما ممن يخاف فساده من أهل تلك الجهات إلا السلطان العمودي فإنه أبقاه وشكر له وارتحل من سيئون إلى موضع يسمى الغرقة ثم إلى شبام، ثم إلى حذية، ثم إلى هينن، ومنها فرق العسكر فجعل الفقيه علي بن صلاح الجملولي في عسكر ضخم يسلكون من طريق جبل السوط والنعمان ليخف عليه مؤنة العسكر وليقبضوا على من عرف فساده من أولئك ولأجل الماء والزاد. ثم الأمير أحمد بن الحسن بن عبد الرب وجهه وجمع إليه محطة أخرى، فكانوا بالقرب من الفقيه علي المذكور وأمرهم أن يسلكوا طريقا كما تقدم، وقد جعل لهم أدلاء، ثم سار بمن بقى معه من طريق شبوه حتى عاد إلى بلاد العولقي، وهو مع ذلك يتبع أهل الفساد في الطرقات، ويقبض على من قدر منهم وحاول أخذ[260/ب] أعواض ما ذهب في أحور وتغريمهم ديات من قتل العسكر، فضاق به الحال ولم يسعه المجال، واستوفى ذلك منهم، وزيادة عليه فيما سيأتي إن شاء الله في المخرج إلى بلاد الفضلي وما والاها، ولحقه مشقة عظمى في هذه الطريق، وشدة من قل الماء فإن في هذه الطريق غالبها في كل مرحلة بير واحدة، وقد ربما لا يكون إلا في المرحلتين بير فاشتد على الناس معه الضمأ وكادوا أن يهلكوا في مواضع كثيرة.

أخبرني من شهد ذلك أنه كان- أيده الله - يقدم إلى البير فيقيم عليها حتى ينزحها آخرهم ويأخذ كأحدهم، إنما يفعل ذلك خوفا من أن يهلك العسكر بعضهم بعضا، وقال بعضهم أنهم تفرقوا من موضع قال: فكنا في مفازة فإذا نحن بمولانا الصفي - أيده الله - على مثل حالنا، قال: فإذا هو يبتسم ويضحك وقال: إن هذا الضمأ بعثر نظامنا فكنا كقوم انكسرت بهم سفينة، فتفرقوا على الألواح فعليكم بالصبر وفرج الله قريب أو كما قال.

وأخبرني من شهد الإزدحام على أحد الآبار، أنه مات بغل من التعب والضمأ وكان بعض أهل الدلا قد قصرت حبالهم فسلخوا جلد ذلك البغل فأخذ كل منهم ما وقعت يده عليه، ووصلوا بها حبالهم، فكانوا كذلك حتى اتصلوا بالبلاد التي تحتمل الأجناد، وتقدموا إلى البيضاء ليلة عيد الإفطار في شهر ذي الحجة سنة سبعين وألف [أغسطس 1659م].

Halaman 1001