Tuhfat Asmac
تحفة الأسماع والأبصار
وكذا ما أخرجه مالك في الموطأ في قصة رفيق حاطب بن أبي بلتعة، لما وجدوا ناقة الأعرابي المزني، أو سرقوها فأمر عمر بن الخطاب بقطع أيديهم، وقال للأعرابي: بكم ناقتك فقال: والله يا أمير المؤمنين إني أمنع منها أربعمائة درهم فأمر حاطب بتسليم ثمانمائة درهم، وكان ذلك بحضور الصحابة، فهو دليل على أن العقوبة لم تنسخ، وكذا فعل علي رضي الله عنه في نهب نصف مال المحتكر إلى بيت المال وإحراق نصفه، وإحراقه لدار جرير بن عبد الله لما لحق بمعاوية، وكذا فعل الأئمة السابقين، وعليه أحمد بن حنبل وإسحاق في حق الكافر، بل قال: هو سنة لا سيما إن لم يحصل التكال إلا به، وعلى هذا جمهور الأئمة من الآل، قالوا: لأن المال شقيق الأرواح، وأصل شرع العقوبة الإنزجار، فإذا رأى الأئمة الإنزجار بالمال أكثر فعلوا ذلك لأن المتبع ما ظهرت فيه المصلحة، وفي الناس من تكون العقوبة عليه في البدن أزجر كأعيان الدولة ورؤسائهم، فإذا التأديب موكول إلى رأي الأئمة فيما يحصل به الإنزجار، وقد استحسنوا الزجر به في هذه الأزمنة لمصلحة الانزجار، ثم مصلحة الوجه الذي التجأوا إليه كما قررنا أولا، فلا نغتر برأي من يقدم في آرائهم الصائبة، وأنظارهم الثاقبة، لا سيما ما صدر عن رأي الأئمة، وأما العمال والولاة، فهم فريقان، فريق من التقوى والخوف لله على جانب عظيم، يراقب فيما يأخذ ويذر مراقبة الأئمة في الخوف لله تعالى ولا يتبع هوى نفسه، ولا يأخذه في حق الله لومة لائم، كما كنا نشاهده من حي السيد العلامة هاشم بن حازم بن أبي نمي الحسني المكي رحمه الله تعالى وأمثاله، وفريق همه تحصيل ما يدخره من المال لنفسه، ويكسبه على أي وجه، فيجعل صورة هذه الآداب والقوانين سببا وذريعة إلى تحصيل المال من غير مراقبة لتلك المقاصد الحسنة والآراء المستحسنة، وما أعظم الوقوف على هذه الطريق الصعبة المنوطة بأهل الولاية، الماضي قولهم فإن النفوس مبنية على ما جبلت عليه من الهوى، وربما قصر الأئمة هؤلاء عن أفعالهم بعد ظهورها، وربما رأوا أن مثل هذا الجيش ممن يحتاج إليه في النصرة، فأعرضوا عنه لا رضى بما فعل لكن خوفا مما هو أعظم وكم نجد من مصارعة من الأئمة لهذا الجيش لاقتحامهم على ارتكاب هذه الأخطار، ومخالفتهم لأنظار العلماء النظار، اللهم ارزقنا منك الهدى والعفاف والغنا والتوفيق لما تحب وترضى[148/ب] اللهم اغننا بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك، وهب لنا من لدنك علما نافعا، ورزقا واسعا، وتوفيقا هادئا وعملا متقبلا يا أرحم الراحمين. الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
Halaman 611