Tuhfat Asmac
تحفة الأسماع والأبصار
وفي صحيح مسلم، عن أنس أن فتى من المسلمين قال: ((يا رسول الله إني أريد الغزو وليس معي ما أتجهز به، قال: إيت فلانا فإنه كان تجهز فمرض، فأتاه فقال إن رسول الله يقرئك السلام، وقال: أعطني الذي تجهزت به، قال: يا فلانة أعطيه الذي تجهزت به، ولا تحبسي عنه شيئا فوالله لا تحبسي منه شيئا فبارك لك فيه)) وليست مشقة الإنفاق وكراهته من الأعراب حادثة، بل قد كان ذلك في حياة النبي ، وأخبر الله عنهم بقوله{ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء والله سميع عليم} فعلم الله حالهم، وأخبر بها ليعرف الفرق بينهم، وبين من قال فيهم: {ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم} وأعراب[114/ب] زماننا هذا كأولئك سواء في هاتين الصفتين، وأدركنا منهم جميعا هاتين النيتين فمنهم من جعل ما تؤخذ منه من المعاون وغيرها التي يجمعها الإنفاق في سبيل الله، والتعظيم لشعاير الله قربات عند الله، واتباعا لسنته، وابتغاء لرضوان الله، وصلوات الرسول وخليفته إلا أنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته، وأغلب هؤلاء من حنكته التجارب، وخبر ما مضى من الزمان، وعرف المصالح والمفاسد، ومن أمر الجهاد وصفته أن ما عليه الإمام ومن معه من جند وطايفته لا يحلون عنه في وقت ولا ينفكون عنه في لمحة طرف، لما دفعه الله بهم من المنكرات، ولما أقام بهم الواجبات، وكف بوجودهم الفساد، وقمع بهيبتهم من أرباب الظلم والفساد، ودفع بهم من الأعداء، وأزال بهم وله الحمد عن الدين وأهله كل علة وداء، وتظنه من طالبه مآثما، وهؤلاء هم الأشقياء في الدين والدنيا؛ لأنهم كما قيل لا ما له أبقى، ولا ربه أرضى، وأعظم منه في الشقاء من أضله بجهله، وألقى إليه من شبهات غيه ما أمرض به قلبه، وغيره عليه من صالح النية، فحمل وزره مع وزر غيره، كما قال الله تعالى{ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم} أحسبت أن الأعراب ليسوا كالأعراب، وأن الدين الذي نحن فيه غير الدين الذي كان عليه رسول الله ، الذي استغله المنافقون فسعوا في النهي عن تفويته، وأخبر الله عنهم بذلك بقوله: {هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا } وكأنك لم يقرع سمعك قول الله: {هاأنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} بل لو عقلت وفهمت نعمة الله لرأيتها نعمة عامة للناس، واجبة الشكر لله على ما خفف عن كثير منهم من التكليف، بل عن كلهم وهو التكليف الذي قام به الجند الذين هم حزب الله وجنده الغالب بشيء يسير يبذلونه من أموالهم والإنفاق عليهم، وكان عليك أن تحث من سألك على الرضى بالنفقة في سبيل الله ليثابوا عليها، وأن لا ينعتنهم على صفة المنافقين الذين لا يقبل الله منهم نفقاتهم لكراهتهم لها فيكونوا كما قال الله تعالى{قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين، وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم}إلى قوله{ولا ينفقون إلا وهم كارهون} فإن هؤلاء الذين زعمت أنهم يلونك وأنت ساكن بينهم، وأنه لا يؤمر فيهم بالمعروف ولا ينهي عن منكر، ولا ينفقون نفقة صغيرة[115/أ] ولا كبيرة لا يخلو حالهم من أن يكفيهم مجرد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باللسان، أو لا بد من جند يقوم بذلك، فإن كان الأول فما بالك لم تكتف في ذلك؟ وإن كان الثاني فإن كنت تعلم أنه يقوم بذلك ويفعلونه من غير جند ويتجندون بأنفسهم فما بالك أنت ومن أطاعك لا تفعلون ذلك؟ وإن كنت تعلم خلاف ذلك وأنه لا يقوم أحد يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر حق القيام إلا بالجند منذ [عهد] رسول الله إلى يومنا هذا، وإن اختلفت الأجناد لاختلاف الزمان وأهله، فبعضهم ينفقون على أنفسهم وبعضهم ينفق عليهم غيرهم، بل لم يتم [ولا يتم] إمارة حق ولا باطل إلا بجند ينفق عليهم، أو على بعضهم كما في أعظم الخلق وأشرفهم محمد وأصحابه الذين أمر الله عليهم، فأنفق بعض أغنياء المهاجرين كل ماله، وبعضهم جمهور ماله، وبعضهم شطره، وبعضهم أعطى جهده، وشاطر الأنصار أموالهم، ومدحهم الله وأثنى في غير موضع من القرآن ومن ذلك قوله: {ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} فحصر الفلاح على من وقي شح نفسه بماله .
قال علي -عليه السلام-: فالجنود بإذن الله حصون الرعية، وزين الولاة، وعزالدين، وسبل الأمان، وليس تقوم الرعية إلا بهم، ثم لا قوام للجند إلا بما يخرج لهم من الخراج الذي يقوون به في جهاد عدوهم، ويعتمدون عليه فيما أصلحهم ويكون من وراء حاجاتهم. انتهى.
Halaman 489