373

وأما التوسل فكفى بقول الله في محكم تنزيله على رسوله: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما} [النساء:64]، {ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته} [التوبة:99]..الآية، {وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم} [التوبة:103]، فلا يسوغ لمؤمن بالله ورسوله أن يجعل ذلك كالتوسل والاستشفاع بالأوثان، واعتقاد تقريبها إلى الله زلفى، {تلك ءايات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وءاياته يؤمنون} [الجاثية:6]، وما ورد في الأخبار الصحيحة من استسقاء عمر بن الخطاب بالعباس بن عبد المطلب بلفظ: إنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. هكذا أخرجه البخاري وأقره على ذلك الصحابة كافة، والعلة في الحي والميت واحدة، فلا يحل الإشراك بحي ولا بميت، ولا بدعائه ولا بغيره، وفضيلة الميت وحرمته عند الله عز وجل باقية، وليس الغرض أنه ينفع أو يضر هو، إنما النفع والضر من الله، والأمر كله لله تعالى، وأيضا فإن بلال بن الحارث الصحابي ذهب إلى القبر الشريف وقال: يا رسول الله استسق لأمتك، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم - في النوم -: أخبر عمر أنكم مسقون، فأخبره بذلك ولم ينكر عليه أحد، أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح، وإنما ترك الصحابة الاستسقاء عند القبر النبوي لأن المشروع في ذلك أن يكون في الجبانة، فاستسقوا بالعباس عمه رضي الله عنه، وأنواع الطاعات كثيرة ولا حجر ولا قصر.

وقصة الأعمى الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: قل: ((اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بمحمد نبي الرحمة، يا محمد أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضي لي، اللهم فشفعه في)) أخرجه الحاكم، وقال: صحيح على شرط البخاري ومسلم والترمذي، وقال: حسن صحيح، والنسائي، وابن ماجه، وابن خزيمة في صحيحه وصححه، والطبراني من حديث عثمان بن حنيف رضي الله عنه، لا يقال: إن الأعمى طلب من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الدعاء لأنه يقال: لم نستدل بقول الأعمى وإنما استدللنا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم فإنه علمه التوسل الصريح، وقولهم: إن المراد بدعائه تحريف وتبديل، وفيه نداء الغائب ولا فرق في ذلك بينه وبين الميت، ومثل ذلك التوسل الصريح بالعباس رضي الله عنه إنما هو لقربه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولو كان المراد بدعائه لكان دعاء غيره ممن هو أفضل منه بالإجماع أولى، وهذا معلوم ولكن الهوى يعمي ويصم.

وأخبار الرقية بالقرآن، حتى ضرب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم له سهما معهم، وأحاديث الاستشفاء بالقرآن وغير ذلك كثير يضيق عنها المقام، وشفاعته صلى الله عليه وآله وسلم معلومة، وهي من هذا الباب ولو كانت شركا لكانت قبيحة قطعا من حي وميت {إن الشرك لظلم عظيم} [لقمان:13].

Halaman 380