خرجوا مشاة إلى البحر فاستأجروا سفينة بنصف دينار (١).
وقد صورت أم سلمة (زوج النبي ﷺ) -وهي ممن هاجر إلى الحبشة الهجرة الأولى- الظروف التي أحاطت بهذه الهجرة قالت: "لما ضاقت علينا مكة -وأوذي أصحاب رسول الله ﷺ وفتنوا ورأوا ما يصيبهم من البلاء والفتنة في دينهم، وأن رسول الله ﷺ لا يستطيع دفع ذلك عنهم. وكان رسول الله ﷺ في مَنَعة من قومه وعمه، لا يصل إليه شيء مما يكره مما ينال أصحابه. فقال لهم رسول الله ﷺ: (إن بأرض الحبشة ملكًا لا يُظلم أحد عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجًا ومخرجًا مما أنتم فيه)، فخرجنا إليها أرسالًا حتى اجتمعنا بها، فنزلنا بخير دار إلى خير جار أمنًا على ديننا ولم نخشَ منه ظلمًا" (٢).
وممن خرج مهاجرًا إلى الحبشة أبو بكر الصديق ﵁ حتى إذا بلغ بَرْك الغِمَاد (٣) لقيه ابن الدَغِنَّة -وهو سيد القارة (٤) - فقال: أين تريد يا أبا بكر؟
فقال أبو بكر: أخرجني قومي فأنا أريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي. قال ابن الدغنة: إن مثلك لا يَخرج ولا يُخرج، فإنك تسكب المعدوم، وتصل الرحم، وتحملُ الكَلَّ، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق (٥)، وأنا لك جارٌ فارجع فاعبد ربك ببلادك. فرجع أبو بكر مع ابن الدَغِنة الذي أعلن في قريش جواره له. فوافقت قريش على أن يعبد أبو بكر ربه في داره ولا يستعلن،
(١) فتح الباري ٧/ ١٨٧ - ١٨٨ (وهو قول الواقدي وإن لم يصرح الحافظ باسمه كما في طبقات ابن سعد ١/ ٢٠٤) ويذكر ابن إسحاق أنهم عشرة رجال وأربع نسوة (سيرة ابن هشام ١/ ٣٤٤).
(٢) فتح الباري ٧/ ١٨٩ وسيرة ابن إسحاق ١٩٤ وسيرة ابن هشام ١/ ٣٣٤ بإسناد حسن فرواية يونس بن بكير توبعت برواية البكائي وابن إسحاق صرح بالتحديث.
(٣) موضع على خمس ليال من مكة إلى جهة اليمين.
(فتح الباري ٧/ ٢٣٢).
(٤) حلفاء بني زهرة من قريش (الفتح ٧/ ٢٣٣).
(٥) يبدو أن هذه العبارة محفوظة عند الناس يقولونها في الثناء على صاحب المروءة، لذلك فقد وردت على لسان خديجة ﵂ في وصف رسول الله ﷺ في حديث بدء الوحي.