Tawilat
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
ثم أخبر عن اعتزاز المنافقين واعتذارهم بقوله تعالى: { يعتذرون إليكم } [التوبة: 94] إلى قوله: { الفاسقين } [التوبة: 96]، { إذا رجعتم إليهم } [التوبة: 94] يشير إلى حال أهل الخذلان القاعدين عن طلب الكمال لو رجعتم إليهم وقلتم: لم تقعدون عن الطلب وتبطلون استعداد الكمال في طلب الشهوات واللذات الدنيوية والفانية؟ يعتذرون إليكم بالأكاذيب والأباطيل، { قل لا تعتذروا } [التوبة: 94] بالأكاذيب، { لن نؤمن لكم } [التوبة: 94] لن نصدقكم في ذلك، { قد نبأنا الله من أخباركم } [التوبة: 94] بالفراسة الصادقة، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ".
{ وسيرى الله عملكم ورسوله } [التوبة: 94] فإن الأعمال من نتائج الأحوال، { ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة } [التوبة: 94] إلى من لا يخفى عليه خافية من الأعمال الظاهرة والأحوال الباطنة، { فينبئكم بما كنتم تعملون } [التوبة: 94] بجزاء أعمالكم إن كانت حسنة فبالحسنات، وإن كانت سيئة فبالسيئات.
قوله تعالى: { سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم } [التوبة: 95] يشير إلى منافقي أهل الطلب الذين يظهرون زي هذه الطائفة، ويعدون أنفسهم من جملتهم، ولا يسلكون مسلكهم ولا يتصفون بصفاتهم، فإذا انقلبتم إليهم أيها النصحاء بالنصيحة لئلا يقنعوا بالتشبه بهذه الطائفة؛ ليحلفون بالله كذبا ونفاقا في إظهار الأعذار، { لتعرضوا عنهم } [التوبة: 95] أي: لتتركوا نصيحتهم ولومهم، { فأعرضوا عنهم } [التوبة: 95] أي: دعوهم ونفاقهم إذا تحققتم أنهم غير قابلي النصيحة والصلاح، { إنهم رجس } [التوبة: 95] جبلوا على طينة خبيثة غير طيبة، { ومأواهم جهنم } [التوبة: 95] أي: مرجعهم إلى نيران البعد والحسرة.
{ جزآء بما كانوا يكسبون } [التوبة: 95] يعني: طينتهم وإن كانت خبيثة في أصل الخلقة ما كانت مستحقة لكمال البعد فيما كسبوا بجناية تلك الطينة الذميمة صاروا مستحقين لكمال العبد لهذه النيران، { يحلفون لكم لترضوا عنهم } [التوبة: 96] أي: يطلبون رضاكم بسخط الله بحلفهم بالله كذبا، { فإن ترضوا عنهم } [التوبة: 96] بأن لم تعلموا كذبهم ونفاقهم، { فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين } [التوبة: 96] الخارجين عن الطاعة إلا بعد الرجوع إلى الطاعة.
[9.97-100]
ثم أخبر عن نفاق الأعراب ووفاق بعضهم بقوله تعالى: { الأعراب أشد كفرا ونفاقا } [التوبة: 97] إلى قوله: { إن الله غفور رحيم } [التوبة: 99] الإشارة فيه إلى أن في عالم الإنسان بدوا وهو نفسه، وحضرا هو قلبه، كما أن في العالم بدوا وحضرا.
وقوله تعالى: { الأعراب أشد كفرا ونفاقا } يشير إلى النفس وهواها، فإن الكفر بها ذاتية كما أن الإيمان للقلب ذاتي من فطرة الله التي فطر الناس عليها، فيحتمل أن يصير القلب كافرا بسراية صفاته إليه فيتلون بلون النفس، كما يحتمل أن تصير النفس مؤمنة بسراية صفة القلب إليها فتتلون بلون القلب، ولكن النفس تكون أشد كفرا ونفاقا من القلب وإن كان كافرا، كما أن القلب يكون أشد إيمانا من النفس وإن كانت مؤمنة، { وأجدر } [التوبة: 97] يعني: النفس صفاتها أولى من القلب.
{ ألا يعلموا حدود مآ أنزل الله على رسوله } [التوبة: 97] من الواردات النازلة على الروح، { والله عليم حكيم } [التوبة: 97] في أن يجعل بعض النفس الكافرة مؤمنة، وبعض القلب المؤمن كافرا، { ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما } [التوبة: 98] أي: من النفوس من يعتقد أن ما ينفق من الجد والاجتهاد في طلب الكمال.
{ مغرما } أي: لا حاصل أو سعيه صلاح وهذه خصائص النفس الأمارة بالسوء، فإن أنفق أن تكون مقهورة تحت سطوات الشريعة والطريقة فيصدر منها اختيارا واضطرارا بذل جهد وسعي في طلب الكمال على خلاف طبعها؛ لتتحسر على ذلك وتحتال في إبطائها والخلاص منها طلبا للاستراحة وتتبع شهواتها ولذاتها، { ويتربص بكم الدوائر } [التوبة: 98] أي: ينتظر آفة تفتح للقلب، ويترصد فترة مانعة للقلب على الاشتغال بطلب الكمال، { عليهم دآئرة السوء } [التوبة: 98] أي: على النفوس يدور البلاء من استيلاء القلب عليها وقهرها بما يخالف هواها وطبعها، { والله سميع } [التوبة: 98] سمع في الأزل، وأجاب هذا الدعاء في حقها وألزمها مطاوعة الشرع ومخالفة الهوى، { عليم } [التوبة: 98] بمن يسمع في حقه الدعاء.
Halaman tidak diketahui