Tawilat
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
[الأعراف: 23].
{ فخلف من بعدهم خلف } [الأعراف: 169]؛ أي: فخلف الأرواح والقلوب من بعدهم لما سلكوا طريق الحق ووصلوا إلى مقعد الصدق، خلف السوء وهم: النفوس الأمارة بالسوء، { ورثوا الكتب } [الأعراف: 169] وهو ما ألهمهم الله به الأرواح والقلوب من المواعظ والحكم والمعاني والأسرار ورثت النفوس، { يأخذون عرض هذا الأدنى } [الأعراف: 169]؛ يعني: من شأن النفوس؛ أي: يجعلون المواهب الربانية والكشف الروحاني ذريعة العروض الدنيوية ويصرفوها في تحصيل المال والجاه واستيفاء اللذات والشهوات، { ويقولون سيغفر لنا } [الأعراف: 169]؛ أي: لأنا وصلنا إلى مقام ورتبة يغفر لنا ويعفو عنا مثل هذه الزلات والخطيئات كما هو مذهب أهل الإباحة جهالة وغرورا منهم، وفيه معنى آخر: وهو أنهم يقولون: سيغفر لنا إذا استغفرنا عنها، وهم يستغفرون باللسان لا بالقلب.
{ وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه } [الأعراف: 169]؛ أي: لم يمنعوا عن مثله بعد الاستغفار، بل يتعرضونه ولا يبالون به، { ألم يؤخذ عليهم ميثق الكتب } [الأعراف: 169]؛ يعني: ألم يكن من مقتضيات مواهب الحق والمواعظ والحكم والإلهامات الربانية، { أن لا يقولوا على الله إلا الحق } [الأعراف: 169]؛ أي: لا ينطقون بما لم يعقلوا ولا يفترون على الله، بل يقولون على الله ما هو الحق، { ودرسوا ما فيه } [الأعراف: 169]؛ أي: قرءوا على أنفسهم وعلى غيرهم ما هو الحق والحقيقة لتلك الكشوف الروحانية من خرجها بتسويلات النفس والوساوس الشيطانية، { والدار الآخرة خير للذين يتقون } [الأعراف: 169]؛ يعني: من حقائق تلك الكشوف، وإن الدار الآخرة ونعيمها والسعادة المؤخرة فيها خير من الدنيا وما فيها للذين يتقون بالله عما سواه، { أفلا تعقلون } [الأعراف: 169]؛ يعني: النفوس التي تطلب الدنيا وشهواتها بالدين بعد أن يتمتعوا بمواهب الحق بتبعية الأرواح والقلوب، { والذين يمسكون بالكتاب } [الأعراف: 170]؛ يعني: النفوس المتمسكة بتلك المواهب والكشوف والإلهامات.
{ وأقاموا الصلاة } [الأعراف: 170]؛ أي: وأداموا على العبودية والرجوع إلى الله والمناجاة معه، { إنا لا نضيع أجر المصلحين } [الأعراف: 170]؛ أي: لا نضيع أجر النفوس القابلة لأنوار الله تعالى مالها بالاقتباس من نور الله من الأرواح والقلوب، فإن النفوس مع أماريتها بالسوء تصير باتباع الأرواح والقلوب وتزكيتها على وفق الشريعة وقانون الطريقة صالحة لأنوار الله لفيضه ورحمته، ولهذا ذكر النفوس بالمصلحين هاهنا، كما ذكر القلوب والأرواح ثمة بالصالحين حين قال تعالى: { منهم الصالحون } [الأعراف: 168] وإنما قال لها الصالحون؛ لأنها خلقت في أصل الخلقة صالحة لقبول فيض نور الله بالتربية والتزكية والتخلية بعد أن لم تكن صالحة له، ولهذا قال تعالى:
ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها * قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها
[الشمس: 7-10].
[7.171-174]
ثم أخبر عن طبيعة الإنسان إن وكل إليها بالخذلان بقوله تعالى: { وإذ نتقنا الجبل فوقهم } [الأعراف: 171] يشير إلى أن الإنسان لو وكل إلى نفسه وطبيعته لا يقبل شيئا من الأمور الدينية طبعا، ولا يحمل أثقاله قطعا؛ إلا أن يعان على القبول والحمل، كما كان حال بني إسرائيل لما أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة ويعملوا بها رفع الله على رأسهم جبلا، { وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم } [الأعراف: 171] فاضطروا إلى القبول، فكذلك أرباب العناية رفع الله تعالى على رؤوسهم جبل رحمة، { كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم } إن لم يتوجهوا على الطلب ولم يطلبوا أثقال المجاهدات والرياضيات؛ أي: لو وكلوا إلى أنفسهم ما حملوا، وفي قوله تعالى: { خذوا مآ ءاتينكم بقوة } [الأعراف: 171] إشارة إلى أن على رؤوس أهل الطلب جبل أمر الحق تعالى وهو أمر التحويل؛ أي: يحولهم بالقدرة؛ أي: بأن يأخذوا ما آتاهم الله بقوة منه لا بقوتهم وإرادتهم، { واذكروا ما فيه } [الأعراف: 171]؛ يعني: فيما أتاكم الله من فضله، { لعلكم تتقون } [الأعراف: 171] عما سواه به.
ثم أخبر عن حال الإنسان أنه ما وكله إلى طبيعة طينته في أصل الخلقة، بل ألزمه التوحيد في حال التجريد بقوله تعالى: { وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنآ أن تقولوا } [الأعراف: 172] إلى قوله: { ولعلهم يرجعون } [الأعراف: 174] يشير إلى أن أخذ المخلوقين يكون أخذ الشيء الموجود من الشيء الموجود، وأن أخذ الخالق تارة هو أخذ الشيء المعدوم من العدم، كقوله تعالى:
خلقتك من قبل ولم تك شيئا
Halaman tidak diketahui