Tawilat
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
[آل عمران: 59]؛ يعني: سوى جسمه من تراب، ثم قال له؛ يعني: عند بعث روحه إلى القلب
كن فيكون
[آل عمران: 59]، وإنما ضرب مثله بآدم في التكوين؛ لأنه أيضا تكون بكلمة من غير واسطة أب، وشرف الروح على الأشياء بأنه أيضا تكون بأمر كن بلا واسطة شيء آخر، فلما تكون بأمر كن يكون كن سمي روح منه؛ لأن الأمر منه كما قال تعالى:
قل الروح من أمر ربي
[الإسراء: 85]، وكما أن إحياء الأجسام الميتة من شأن الروح إذ ينفخ فيها، فكذلك كان عيسى عليه السلام من شأنه إحياء الموتى وإبراء الأكمة والأبرص بإذن الله، وكذلك ينفخ في الطين كهيئة الطير فيكون طيرا بإذن الله.
ثم اعلم أن هذا الاستعداد الروحانية الذي هو من كلمة الله مركوز في جبلة الإنسان وخلق منه؛ أي: من الأمر، وإنما أظهره الله تعالى في عيسى عليه السلام من غير تكلف منه في السعي لاستخراج هذا الجوهر من معدنه؛ لأن روحه لم تركض أصلاب الآباء وأرحام الأمهات كأرواحنا، فكان جوهره ظاهرا في معدن جسمه غير مخفي فيه ببشرية أب، وجوهرنا مخفي في معدن جسمنا ببشرية آبائنا إلى آدم عليه السلام، فمن ظهور أنوار جوهر روحه كان الله تعالى يظهر عليه أنواع المعجزات في بدء طفوليته، ونحن نحتاج في استخراج الجوهر الروحاني عن المعدن الجسماني إلى نعل صفات البشرية المتولدة من بشرية الآباء والأمهات من سعادتنا بأوامر الاستاذ هذه الصفة ونواهيه هو النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى:
ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا
[الحشر: 7]، فمن تخلص جوهر روحانيته من معدن بشريته وإنسانيته يكون عيسى وقته فيحيي الله بأنفاسه القلوب الميتة، ويفتح به آذانا صما، وعيونا عميا، فيكون في قومه كالنبي في أمته، فافهم جيدا.
ثم قال تعالى: { فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم } [النساء: 171]؛ يعني: إن أردتم التوحيد الحقيقي فآمنوا بالله الذي خلقكم، وجعل بشريتكم معدن جوهر روحانيتكم، وجعل روحانيتكم معدن جوهر وحدانيته، فبنور وحدانيته يتحقق لكم أن { ولا تقولوا ثلاثة } [النساء: 171]؛ يعني: نفوسكم والرسول والله تعالى، فتنتهوا بنظر الوحدة عن رؤيته الثلاثة فيكشف لكم { إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد } [النساء: 171]؛ أي: إن يتولد من وحدانيته شيء { له ما في السموت وما في الأرض } [النساء: 171]، إيجادا واقتدارا، وبه ظهر ما ظهر ومنه صدر ما صدر، وليس لشيء وجود حقيقي، وله الوجود الحقيقي القائم الدائم أولا وآخرا، أو ظاهرا وباطنا،
كل شيء هالك إلا وجهه
Halaman tidak diketahui