Tawilat
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
وبقوله: { وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه } [الزمر: 8]، يشير إلى أن من طبيعة الإنسان أنه إذا مسته ضر خشع وخضع، وإلى ربه فزع، وتملق بين يديه وتضرع، { ثم إذا خوله نعمة منه } [الزمر: 8] وأزال عنه ضره، وكفى أمره، وأصلح باله وأحسن حاله، { نسي ما كان يدعو إليه من قبل } [الزمر: 8]، فيعود إلى رأس كفرانه، وينهمك في كبائر عصيانه، وأشرك بمعبوده، وأمر على جحوده، { وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله } [الزمر: 8] وينقطع في طريقه، فإن للإنسان الذي هو طبيعة { تمتع بكفرك قليلا } [الزمر: 8]؛ أي: بقليل عمرك من قليل دنياك، { إنك من أصحاب النار } [الزمر: 8]؛ لأنك صاحبت أهل النار، وسلكت على أقدام مخالفات المولى، ومرافقات الهوى، وطريق الدركات السفلى.
ثم أخبر عن أهل النجاة وأرباب الدرجات بقوله تعالى: { أمن هو قانت آنآء اليل ساجدا وقآئما } [الزمر: 9]، يشير إلى القيام بآداب العبودية ظاهرا وباطنا من غير فتور ولا تقصير، { يحذر الآخرة } [الزمر: 9] ونعيمها كما يحذر الدنيا وزينتها، { ويرجوا رحمة ربه } [الزمر: 9] لا نعمة ربه، { قل هل يستوي الذين يعلمون } [الزمر: 9] قدر جوار الله وقربته وتجارة على الجنة ونعيمها، { والذين لا يعلمون } [الزمر: 9] قدره، { إنما يتذكر } [الزمر: 9] حقيقة هذا المعنى { أولوا الألباب } [الزمر: 9]؛ وهم الذين انسلخوا من جلد وجودهم بالكلية، وقد ماتوا عن أنانيتهم وعاشوا بهويته.
وبقوله: { قل يعباد الذين آمنوا اتقوا ربكم } [الزمر: 10]، يشير إلى أن من شرط أخص خواص عبادي الذين خلصوا من عبودية غيري من الدنيا والآخرة، وآمنوا بإيمان الطلب شوقا ومحبة أن يتقوا بي عما سواي، ثم قال: { للذين أحسنوا } [الزمر: 10] في طلبي، { في هذه الدنيا } [الزمر: 10] لا يطلبون مني غيري { حسنة } [الزمر: 10]، أي: لهم حسنة وجداني؛ يعني: حسن الوجدان مودع في حسن الطلب، وبقوله: { وأرض الله واسعة } [الزمر: 10]، يشير إلى حضرة جلاله إنه لا نهاية فلا يغتر طالب بما فتح عليه من أبواب المشاهدات والمكاشفات، فيظن أنه قد بلغ المقصد الأعلى والمحل الأقصى، فإنه لا نهاية لمقامات القرب، ولا غاية لمراتب الوصول، { إنما يوفى الصابرون } [الزمر: 10] على صدق الطلب، { أجرهم } [الزمر: 10] من نيل المطلوب { بغير حساب } [الزمر: 10] إلى أبد الآباد.
[39.11-16]
وبقول: { قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين } [الزمر: 11]، يشير إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم مأمور أن يعبد الله خالصا ولا يعبد معه الدنيا والعقبى، { له الدين } [الزمر: 11]؛ أي: يكون مقصده في العباد معبوده.
{ وأمرت لأن أكون أول المسلمين } [الزمر: 12] في طلب الحق تعالى؛ ليعلموا أن ديني ومذهبي طلب الحق من الحق لا غيره، فالمسلم من أسلم وجهه لله في متابعتي بصدق الطلب، { قل إني أخاف إن عصيت ربي } [الزمر: 13] فيما أمرني بطلبه وترك سواه، { عذاب يوم عظيم } [الزمر: 13]؛ وهو يوم ألم الهجران عذاب القطيعة والحرمان، والإشارة فيه: إنكم يا مدعي الإسلام خافوا أيضا إن عصيتم ربكم فيما أمركم أن تطلبوه ولا تطلبوا معه غيره عذاب القطيعة والحرمان.
{ قل الله أعبد } [الزمر: 14] لا الدنيا ولا العقبى، وأطلب بعباده المولى { مخلصا له ديني } [الزمر: 14] وكل له سؤال ودين ومذهب فلي أتم سؤل وديني هواكم، فلما أخبر عن الدين الخالص أنه طلب الحق تعالى وهم على مخالفة دينه، فقال: { فاعبدوا ما شئتم من دونه } [الزمر: 15]؛ يعني: العبادة الحقيقة، { فاعبدوا ما شئتم من دونه } [الزمر: 15]؛ أي: ما طلبوا بعبادتكم ما شئتم بالهوى من دون المولى، ثم بين أن ذلك غاية الخسران ونهاية الخزي والهوان بقوله: { قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم } [الزمر: 15] بإفساد استعدادهم للوصول والوصال، { وأهليهم } [الزمر: 15] من القلوب والأسرار والأرواح حصلوا آخرتهم بالإعراض عن طلب المولى، والإقبال في متابعة الهوى ليكون { يوم القيامة } [الزمر: 15] لهم في النار المأوى، { ألا ذلك هو الخسران المبين } [الزمر: 15]؛ والخاسر على الحقيقة من خسر دنياه بمتابعة الهوى، وخسر عقباه بارتكاب ما نهي عنه، وخسر مولاه إذا هو بغير مولى.
{ لهم من فوقهم ظلل من النار } [الزمر: 16] نار القطيعة، { ومن تحتهم ظلل } [الزمر: 16] من نار الحيرة
أحاط بهم سرادقها
[الكهف: 29] لا يخرجون منها ولا يفترون عنها، كما أنهم اليوم في جهنم عقائدهم يستديمون مجابهم ولا ينقطع عنهم عقابهم، { ذلك يخوف الله به عباده } [الزمر: 16]، فمن خاف بتخويف الله إياه عن هذه الخسران فهو عبده عبدا حقيقيا، فيستوجب خطابه { يعباد فاتقون } [الزمر: 16]؛ يعني: من خصوصية عبادي أن يتقوا إلي عما سواي.
Halaman tidak diketahui