Tawilat
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
بقوله تعالى: { ولا نكلف نفسا إلا وسعها } [المؤمنون: 62] يشير إلى أنه تعلى جعل نفس الإنسان مستعدة لحمل ما كفلها بحمله كما كلف الناس أن يقولوا: لا إله إلا الله، وهم قادرون على قولها وأمرهم بقبول دعوة الأنبياء ما بعثهم وما هم بعاجزين عنها وليس هذا من قبيل تكليف ما لا يطاق لأنه أطاقه كثير من الناس { ولدينا كتاب } يعني: أم الكتاب { ينطق بالحق } أي: بأنهم قادرون على ذلك { وهم لا يظلمون } لما أخذوا بترك ما أمروا وهم قادرون على إتيانه.
[23.63-71]
{ بل قلوبهم في غمرة } [المؤمنون: 63] أي: في غفلة وعمى { من هذا } من قبول الدعوة والمتابعة وتدارك الغفلة بالفكر السليم عن عواقب الأمور وعلاج عمى القلوب بترك الدنيا وشهواتها وتزكية النفس عن صفاتها الذميمة، وتصفية القلب عن شوب تعلقه بما سوى الله تعالى { ولهم أعمال من دون ذلك } [المؤمنون: 63] في متابعة الهوى وطلب الدنيا والإعراض عن الهوى { هم لها عاملون } [المؤمنون: 63] أي: مداومون عليها.
{ حتى إذآ أخذنا مترفيهم } [المؤمنون: 64] وهم أكابر المجرمين وقدوة الأصاغر المسرفين { بالعذاب } أي: بالعذاب الأدنى في الدنيا والعذاب الأكبر في العقبى { إذا هم يجأرون } [المؤمنون: 64] أي: يتضرعون في طلب النجاة والقبول بعد فساد استعداداتهم للنجاة والقبول، فيقال لهم: { لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون } [المؤمنون: 65] لعدم الاستعداد في قبول النصرة فلا ينفعكم التضرع والجزع في غير وقته، وقد ضيعتم أوانه حين { قد كانت آياتي تتلى عليكم } [المؤمنون : 66] لتنتفعوا بها { فكنتم على أعقابكم تنكصون } بالإعراض عن الانتفاع بها والإقبال على متابعة الهوى وطلب الدنيا { مستكبرين به } [المؤمنون: 67] على الأنبياء والأولياء والنصحاء بنعيم الدنيا وزينتها { سامرا تهجرون } أي: سامرين في هجراننا والإعراض عنا.
ثم أخبر عن سوء تدبيرهم وفرط تقصيرهم بقوله تعالى: { أفلم يدبروا القول أم جآءهم ما لم يأت آبآءهم الأولين } [المؤمنون: 68] يشير إلى أنهم لو تفكروا بالفكر الصائب في أمر النبي صلى الله عليه وسلم وإنزال القرآن إليه لعلموا أنه ما جاءهم بدعا من الرسل بما لم يأت آباءهم الأولين أنبياؤهم، وأن كل نبي أوحي إليه بالإيمان ونصرة دينه وأخذوا على هذا مواثيقهم، وقد ذكر الله بعثته في الكتب المنزلة أم عملوا أنهم { أم لم يعرفوا رسولهم } [المؤمنون: 69] الذي بعثه الله في الكتب المنزلة، كما قال تعالى:
جآءهم ما عرفوا كفروا به
[البقرة: 89].
{ فهم له منكرون * أم يقولون به جنة } [المؤمنون: 69-70] فمرة قابلوه بالتكذيب، ومرة رموه بالسحر، ومرة وصفوه بالجنون، ومرى قد عابوه بالفقر وقلة اليسار، فأخبر الله عن تشتتهم، ومرة رموه بالسحر، ومرة وصفوه بمثل أحوالهم في الضلالة وتقسيم إنكارهم في الجهالة فقال: { ولو اتبع الحق أهوآءهم } [المؤمنون: 71] في تعاطي مراداتهم الخسيسة على حسب دواعيهم الفاسدة { لفسدت السموت والأرض } [المؤمنون: 71] أي: سماوات أرواحهن وأرض نفوسهم { ومن فيهن } من القلب والسر، فإن الهوى يهوي بمتابعيه إلى الهاوية { بل أتيناهم بذكرهم } [المؤمنون: 71] أي: بما لهم فيه صلاح في الحال وذكر لهم في المثال { فهم عن ذكرهم } أي: عن صلاح حالهم وشرف مآلهم { معرضون }.
[23.72-77]
{ أم تسألهم خرجا } [المؤمنون: 72] أي: يحسبون أنك تسألهم على الرسالة أجرا وقبولا ووجاهة عندهم فكان ما يفهم عن الإيمان بلا ويقول دعوتك لهم وما يعملون إذن { فخراج ربك خير } أي ما يجازيك الله به في الدنيا وما فيها { وهو خير الرازقين } في المجازاة والمكافأة، وفيه إشارة إلى العلماء الله الراسخين في العلم أنهم لا يدنسون وجوه قلوبهم الزاخرة بدنس الأطماع الفاسدة والصالحة الدنيوية والأخروية، فيما يعملون الله في دعوة الخلق إلى أنه بالله لله.
Halaman tidak diketahui