قال عظمة السلطان لمؤلف هذا التاريخ: «استحييت منه بعد هذا الكلام وبقيت.»
وكان مبارك أثناء تلك الثلاثة أشهر مطمئنا فلم يهاجمه السعدون، ولكن فوائد قوم عند قوم مصائب؛ فقد كان ابن سعود في قلق دائم، لأن ابن الرشيد كما تقدم غلب حليفيه الهذال والشعلان، والعجمان تآمروا و«العرائف» عليه، و«العرائف» أسندوا عائدين إلى الرياض، ومنهم من كتبوا إلى الشريف حسين في مكة يستنجدونه على عبد العزيز. أضف إلى ذلك أن القيظ كان يومئذ شديدا، فتفرقت البوادي وراحت تنشد المياه.
ثم حدث حادث بينه وبين بعض عربان مطير اعتدوا على عرب من قحطان وسبيع ولاذوا بابن الرشيد، فأراد عبد العزيز تأديبهم عندما جاءوا إلى أطراف الكويت، فتصدى له الشيخ مبارك، فكتب إليه يلومه قائلا: «كان الأجدر بك أن تساعدني عليهم وهم من قبائلي العاصية.»
اشتعل الغضب في صدر مبارك - وما كان أسرع اشتعاله! - فخرج من الكويت إلى معسكر ابنه جابر، فاجتمع هناك بعبد العزيز، وكانت أول كلمة منه مرادفة للإهانة والطرد. قال الشيخ: «أظنك يا ابن سعود تبغي أهلك.» فأجابه بكلمة واحدة: «نعم.» وخرج من ذاك المجلس كما دخل مبارك إليه مكتئبا متغيظا.
إنها لأيام عصيبة في تاريخ عبد العزيز، تعددت فيها الأعداء والأخطار، وهجرته بواديه وكان جزاء معروفه الإهانة وغمط الجميل. وهناك الطامة الكبرى، هناك العسر المالي الذي ندر مثله في العشر السنوات الماضية من حياته.
المال! قد كان في حاجة شديدة إلى المال. وإنه ليدهش القارئ مقدار حاجته وهو حاكم نجد وكبير العرب. حاول أن يستدين من أهل الكويت، فاعتذروا خوفا من مبارك، ثم أرسل إلى نسيبه ووكيله في البصرة عبد اللطيف باشا المنديل يطلب منه ألفين ليرة - ألفين فقط - ويقول له أن يقبض القيمة مما تبقى عند الدولة من معاش الإمام والده.
الفصل الخامس عشر
الشريف حسين يشمر الأردان
من تهكم الزمان، وقد والى المتمرد عليه من الناس، أن يجيئه في اليوم العصيب بما لا ينفعه من نوافل الحياة، بل بما يزيد في عسره وحزنه.
كان السلطان عبد الحميد قد منح الأمير عبد العزيز ابن سعود لقبا ونيشانا من أعلى درجات المجد عنده، فصارت الجرائد في بغداد وفروق تنعته بالنعوت الضخمة بعد أن كانت، في أيام نصره وعزه، تتحامل عليه.
Halaman tidak diketahui