نعم إن هنيبال بدأ هجماته في ساغونتوم من إسبانيا وأسدروبال في نوميديا بأفريقيا، ولكن الظروف متماثلة بقطع النظر عن التحديات الجغرافية، وقد ظن أسدروبال أنه سوف يوجد لنفسه تاريخ حرب مجيدا يماثل ذلك الذي خلد ذكر سميه العظيم، وقد وجدت بين حالتي الاثنين مشابهة أخرى؛ وهي أن هنيبال وأسدروبال قد تصدت لهما أحزاب مقاومة في قرطجنة في بدء ما صمما على الشروع فيه.
ولكن مقاومي أسدروبال هذا قد أرسلوا إلى المنفى، وتشتت شمل حزبهم وجرى على الميالين إليهم تضييق شديد، إلا أن العناصر بقيت والأذناب المختلفة استكانت، فأقامت تتحين الفرص حتى إذا نابت جيش أسدروبال نائبة هبوا من مكانهم، وأنزلوا به الويلات وأسقطوه من شاهق مجده؛ ولهذا كان لأسدروبال عدو مزدوج؛ أحدهما أمامه في حومة الوغى، والآخر وهو أعظم قوة باق وراءه في المدينة.
والمقابلة بينهما والحالة هذه تنتهي هنا، فإن هنيبال قد انتصر في ساغونتوم، وأما أسدروبال فاندحر اندحارا مشئوما في نوميديا، فكان العراك هنا طويلا تهالك فيه الجانبان، ولكن القرطجنيين أرغموا في النهاية على ترك مواقفهم، وتراجعوا بغير انتظام ملتجئين إلى معسكرهم، وشاهد المعركة ضابط روماني كان واقفا على رابية مجاورة وهو ينظر إلى ذلك العراك الهائل النهار بطوله، وكان ذلك الضابط سيبيو - سيبيو الفتى الذي صار بعدئذ الممثل الأكبر في أدوار الحرب الهائلة التي تلت.
كان هذا يومئذ من رجال الجيش الروماني المعروفين، وقد أرسل إلى إسبانيا عاملا في الجيش، فأرسله قائده فيها إلى أفريقيا؛ لكي يجلب له عددا من الأفيال من الملك مسانيا ليستخدمها في الجيش الروماني، فأتى نوميديا لهذه الغاية، وإذ وجد نار القتال مشبوبة هناك بين مسانيا وأسدروبال بقي ليشاهدها، ولم يكن لسيبيو الثاني علاقة نسب بسيبيو الآخر، ولكن تبناه ابن سيبيو الأكبر، وهكذا حصل على هذا الاسم بحيث أصبح حفيدا بالتبني.
وكان هو في ذلك الحين رجلا جليل القدر محترما من كل الذين عرفوه؛ لما اتصف به من الإقدام والنشاط والصفات الطيبة والرأي والتدبير، وكان موقفه بإزاء هذه المعركة من المواقف الخصوصية التي لم يوجد غيره من القواد العظام في مثلها؛ لأنه كان رسولا عسكريا إلى نوميديا، ووجب عليه أن يكون متحايدا فلا ينحاز إلى جانب ضد الآخر؛ ولهذا اتخذ له موقفا على الرابية ونظر من هناك ذلك المشهد المخيف الذي كان كأنه قد أقيم خصوصا؛ لكي يمتع النفس بالتفرج عليه.
وقد تكلم عن المعركة وعن ظهور الملك مسانيا فيها شيخا في الرابعة والثمانين من عمره قد حنكته المعارك التي خاض غمراتها فيما سلف من زمانه، وهو ممتط جواده يجول به من صف إلى صف بدون سرج يأمر وينهى ويحرض رجاله على القتال، ويشجعهم بنشاطه وأقواله مثابرا على ذلك من أول المعركة إلى آخرها لا تكل له عزيمة ولا تبرد همة.
وتراجع أسدروبال إلى معسكره حال انتهاء المعركة وتحصن هناك وخندق على نفسه، أما مسانيا فلم يقعد عن اللحاق به، بل تبعه إلى هناك وأحاط به من كل جانب، بحيث أصبح القائد القرطجني وجيشه المحلول العزائم كالأسرى محصورين لا يستطيعون حراكا، عندئذ راسل أسدروبال الملك مسانيا بشأن الصلح؛ إذ رأى ألا مناص له من ذلك المركز الحرج، واقترح عليه إقامة سيبيو حكما بين الفريقين يرتئي الشروط ويسطرها حسب وحي ضميره.
وكان أسدروبال عالما بأن سيبيو لا يمكن أن يكون خالي الغرض في الذي يحكم به، إلا أنه باقتراحه أن يكون سيبيو حكما قد اختار أهون الشرين، ظنا منه أن سيبيو يكون أقرب إلى الرفق به وأميل إلى التساهل من عدوه المنتصر، على أن هذا التدبير لم ينجح، حتى إن الشروط التي أشار بها سيبيو كانت في نظر أسدروبال غير محتملة، فهو قد قضى على القرطجنيين بالتخلي عن مقاطعة معلومة من بلادهم للملك مسانيا.
وكان أسدروبال ميالا إلى القبول بهذه الشروط، وكان على القرطجنيين أن يدفعوا إلى مسانيا مبلغا من المال، ورضي أسدروبال بهذه الشروط أيضا، ومن الشروط التي ارتأوها على أسدروبال أن يعيد إلى قرطجنة كل مقاوميه الذين نفاهم منها. ولما كان هذا الشرط يفيد إرجاع أعداء أسدروبال إلى منصة القوة وتولي زمام الأحكام فيجلب عليه الوبال أبى القبول به، وهكذا بقي محصورا في معسكره، ولما رأى سيبيو أن توسطه لم يقبل أخذ الأفيال التي جاء لأجلها، وركب البحر عائدا إلى إسبانيا.
ولم يطل الوقت على جيش أسدروبال كثيرا حتى مل البقاء محصورا، ولا سيما أن الجوع كان قد أنهك قوى الجنود وزاد بلة في طين شقائهم، فاضطرته هذه الحال إلى التسليم للملك مسانيا على الشروط التي يريدها، فأطلق مسانيا سراح الرجال جميعا، ولكن كثيرين منهم هلكوا في طريقهم إلى قرطجنة، وتمكن أسدروبال من الوصول إلى مكان اتخذ لنفسه فيه أسباب الحيطة؛ لاتقاء شر أعدائه الذين كانوا قد عادوا إلى قرطجنة من منفاهم عملا بشروط الصلح، وكان حزب أسدروبال قد خسر كل نفوذ، وطرد من الوظائف بسبب الفشل الذي لقيه ذلك القائد في حروبه.
Halaman tidak diketahui