والمسئولية كما لا يخفى جسيمة والخطر من حملها عظيم للغاية، فالذي يقدم على هذا الأمر يعرض نفسه لأشد العقوبات صرامة، ولا ينجيه من العقاب الأليم إلا الضرورة الكلية وزيادة عليها النجاح الباهر. وفي التاريخ الإنكليزي قصة عن أمير كان في خدمة ملكة إنكليزية عصى أوامر رؤسائه في أحد الأوقات لما بدا له من ضرورة ذلك وهو في البحر، ولكنه تمكن من إحراز نصر باهر كان منه على يقين.
وبعد أن أدرك ذلك الانتصار المهم طلب أن يقبض عليه كمجرم ويؤخذ إلى الميناء سجينا ذليلا، بدلا من قائد أحرز نصرا مبينا، وهناك سلم نفسه لرجال القضاء ليحاكم على مخالفته الأوامر، وبعث من فوره فأخبر الملكة بأنه قد عرف أنه يستحق الإعدام جزاء لما أقدم عليه، ولكنه كيفما كان الحال يرغب في تضحية حياته بأية طريقة لخدمة جلالتها، فأصدرت أمرها بالعفو عنه.
فالقنصل نيرو - بعد التروي الطويل واضطراب الفكر الموجب للقلق في مثل هذه الحالة - رأى أن الظروف التي عرضت له تتطلب منه تحمل المسئولية بكل جيشه والتعرض لعقاب العصيان، على أنه لم يجسر على الذهاب شمالا بكل جيشه؛ لأن انسحاب جيشه بكامله من حيث هو يجعل جنوبي إيطاليا بجملته تحت رحمة هنيبال؛ ولهذا انتخب من جيشه الذي كان عدده أربعين ألف رجل سبعة أو ثمانية آلاف من الأبطال المجربين المعروفين بالحمية والإخلاص، والذين يمكنه الاعتماد عليهم ليس فقط من حيث المقدرة على تجشم الأخطار والأهوال ، بل من حيث شجاعتهم ونشاطهم وما عرفوا به من الإقدام الذي يحملهم على الثبات في معاركة رجال أسدروبال إلى النهاية.
وكان نيرو عند حصوله على كتب أسدروبال إلى أخيه معسكرا في مكان حصين متسع الجوانب، فزاده تحسينا وتحصينا ووسعه على صورة لا يدري بعدها هنيبال بأن نيرو قد أنقص جيشه، كل هذا أتمه بسرعة كلية وفي مدة ساعات معدودة بعد وقوفه على الكتب المذكورة التي حملته على الإسراع لنجدة زميله، وانسل بجيشه من هناك ليلا ولم يدر رجاله إلى أين هو يسير بهم ولا ما الذي عقد النية على القيام به، وسار بأسرع ما في الإمكان نحو الشمال، ولما وصل إلى المقاطعة الشمالية أراد أن يدخل معسكر ليفيوس خفية كما خرج من معسكره، وبهذا حصل أحد الجيشين الرومانيين على الزيادة التي كان في أشد الحاجة إليها من غير أن يشعر بذلك القائدان القرطجنيان، فانشرح صدر القنصل ليفيوس لهذه النجدة التي أتته ساعة الحاجة إليها، وأمر بأن يخلد كل الجيش إلى الهدوء والسكينة؛ لكي يحصل الجنود الذين أقبلوا لنجدته على الراحة الضرورية بعد الذي عانوه من مشاق السير السريع.
إلا أن نيرو خالفه في ذلك وأشار بوجوب الابتداء في المعركة حالا، فهو قد عرف مقدرة الرجال الذين أتى بهم وعظم احتمالهم، وكان في الوقت نفسه غير راغب في أن يوجد خطرا في نفس معسكره في جنوبي إيطاليا بغياب طويل عنه، وهكذا اتفق القائدان على مهاجمة أسدروبال بالأسرع الممكن، وصدرت الأوامر إلى الجيش ليبدأ بالمعركة في الحال.
وليس ببعيد أن يكون القنصل ليفيوس وحده قادرا على قهر أسدروبال، إلا أن النجدة التي أتاه بها نيرو قد جعلت الجيش الروماني قويا عزيز الجانب وأقوى من جيش أسدروبال كثيرا، وفضلا عن ذلك فإن أسدروبال قد رأى وهو في طليعة جيشه أن بعض الجنود في صفوف أعدائه كانت من أهل الجنوب مما دل على صحة فراسته وتوقد ذكائه، واستنتج من ذلك أن أخاه هنيبال قد لقي انكسارا مشئوما، وأن الجيش الروماني برمته قد احتشد ضد جيشه .
ففت ذلك من عضده وخاف كثيرا، فأصدر أمره بالانسحاب وتبعه الجيش الروماني جادا في أثره وأعمل في مؤخرته السيف فأوقع في صفوف الجيش القرطجني المتراجعة التشويش والاختلاط والفوضى، وأصبح القرطجنيون كالسائر على غير هدى بين الأنهر والبحيرات لا يعرفون سبيلا إلى النجاة، وكان أدلاء الجيش قد فروا طالبين النجاة بعد الذي رأوه من تضعضع أحواله، وعندئذ انحصر الجيش القرطجني في مكان غير حصين لا يقوى فيه على الدفاع، ولا يستطيع الإفلات من ذلك المأزق.
واقتتل الفريقان أشد قتال فلم يشفق الرومانيون على أعدائهم ولا أروهم أقل رحمة، بل أعملوا في رقابهم السيوف ذات اليمين وذات الشمال إلى أن أهلكوا الجيش عن آخره تقريبا، وقطعوا رأس أسدروبال فأخذه القنصل نيرو وسار ليلا عائدا إلى معسكره، ورأس أسدروبال معه وهو فرح مفاخر بما أقدم عليه، وحال وصوله أرسل طائفة من الفرسان؛ لكي يلقوا رأس أسدروبال في معسكر هنيبال، كعلامة من أشنع العلامات على أنه قد انتصر عليه.
فلما رأى هنيبال رأس أخيه أصبح كمن أصيب بجنة وانحلت قواه وغلب عليه اليأس والحزن؛ لما علمه من خسارة جيشه - تلك الخسارة التي أنذرته بالفشل وخيبة كل أمل - فصاح عندئذ قائلا: «لقد دنت ساعتي وقضي الأمر وخسرت كل شيء، فلست بمرسل أنباء نصر إلى قرطجنة بعد الآن، فبفقد أسدروبال قد انقطع كل رجاء.»
وفيما كان هنيبال على ما رأيناه في إيطاليا حليف هم وحزن عظيمين، كانت جيوش الرومانيين التي أعدها حلفاء رومية تتفوق على القرطجنيين في كل مكان من العالم بقيادة قواد عهد إليهم مجلس الشيوخ الروماني في محاربة القرطجنيين حيثما وجدت، وكانت أنباء الانتصارات تجيء متتابعة إلى رومية فتزيد الرومانيين شجاعة وتدفعهم إلى الإقدام، وتؤثر عكس ذلك على هنيبال وجيشه وحلفائه الذين أصبحوا مستسلمين لليأس محلولي العزائم.
Halaman tidak diketahui