Tajrid
شرح التجريد في فقه الزيدية
وقول أبي يوسف ومحمد: أنه لا يفسده إلا ما وصل إلى الجوف من المجاري المعهودة، والحجة لذلك قول الله تعالى: {علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم..} الآية، فنبه بالآية على إباحة ما كان محظورا إلى أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وذكر المباح، وهو الجماع، والأكل والشرب، فدل على أن الممنوع بالصوم هو ما أباحه ليلا بالآية، دون ما سواه، ثم قال تعالى: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} والصيام هو الإمساك المخصوص، فكان الإمساك المراد، هو الإمساك عما تقدم ذكره.
فأما الكحل فقد روى أبو بكر الجصاص بإسناده في (الشرح) يرفعه إلى محمد بن عبد الله بن رافع، عن أبيه، عن جده، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يكتحل بالإثمد، وهو صائم. وهو مما لا خلاف فيه بين الفقهاء.
فإن قيل: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (( بالغ في الإستنشاق، إلا أن تكون صائما )) يدل على أن وصول الماء إلى الدماغ يفسد الصوم، لولا ذلك لم يكن فيه فائدة.
قيل له: هذا لو لم يكن للأنف مجرى إلى الحلق، فأما وقد علمنا أن له مجرى إلى الحلق، كما أن له مجرى إلى الدماغ، فلا يمتنع أن يكون صلى الله عليه وآله وسلم قال ذلك؛ لئلا يصل الماء إلى الحلق، ثم إلى الجوف، فيكون ذلك فائدة الخبر، ونحن نقول: إن ما وصل من الحلق إلى الجوف على هذا الوجه يفطر، ولا خلاف أن الكحل لا يفطر، وعند أبي حنيفة صب الدهن في الإحليل لا يفطر، فنجعل ذلك أصلا، ونقيس عليه سائر ما اختلفنا فيه؛ بعلة أنه واصل إلى باطن الجسد لم يجر في(1) الحلق، ولا أوجب الاغتسال، فيجب أن لا يكون له مسرح في إفساد الصوم، ولا خلاف أن الفصد لا يوجب الإفطار، فيقاس عليه ما اختلفنا فيه بالعلة التي ذكرناها.
Halaman 250