[مقدمة الكتاب]

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد عبده ورسوله الأمين، القائل : { من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين } وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد : فإنه لما كان علم الفقه من أجل العلوم تقديرا، وأكثرها دراسة وتحريرا، وهو ثمرة الفنون ولبابها، ومنتهى علوم الدين وبابها.

أكثر علماؤنا الأفاضل من التصنيف فيه.

وأحاطوا بقول كل فقيه، ولا سيما شراح متن الأزهار - شكر الله سعيهم - فقد تفننوا في أسلوبه.

واختلفوا في بسطه وتقريبه بين مختصر لم نسمع إلا باسمه، ومطول يهوش على المبتدي فهمه.

وقد اشتهر منها لتدريس المبتدي، وبحث المتوسط والمنتهي، شرح العلامة عبد الله بن قاسم بن مفتاح رحمه الله.

المسمى " المنتزع المختار من الغيث المدرار " مع ما علق عليه، وأضيف من الحواشي إليه، ولكنه لما حوى كثيرا من المذاهب والخلافات، وما يؤمل وقوعه على أندر الاحتمالات استغرق على الطالب الوقت الطويل، فلم يتمكن من إكماله إلا القليل.

وطالما سمعت من ذوي الألباب، لهجهم بمسيس حاجة الطلاب إلى شرح مختصر لطيف يليق بطلبة العلم الشريف جليل الفوائد قريب المقاصد ليس بالوجيز المخل.

ولا بالطويل الممل، ولذلك انتدبني لهذا الموضوع، وجد علي في نجاح المشروع جماعة من أهل العلم والعمل.

دأبهم السعي لإصلاح كل خلل فأجبتهم متجشما صعوبة هذا العمل الخطير، وأقبلت عليه سائلا من الله التيسير عملا بقوله - تعالى - : { إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب }.

Halaman 1

ولهذا فإني قد أمعنت النظر في الاطلاع، وبذلت غاية المستطاع في إتقان التهذيب وإحكام الترتيب، وقد قسمت الكتاب إلى قسمين : ( القسم الأول ) في العبادات من ابتداء الكتاب إلى آخر كتاب الحج.

و( القسم الثاني ) في المعاملات المحضة والمشوبة ببعض العبادات من كتاب النكاح إلى آخر كتاب السير، وبينت في القسمين عدد الفصول تقريبا للمبتدي عند التحويل إلى الوصول فجاء - بحمد الله - قريب الانتفاع حريصا على الوقت من الضياع تهتز له الأنفس عند السماع، وتنشرح له الصدور عند الاطلاع ؛ لأنه جمع - مع صغر حجمه - ما حواه شرح الأزهار وحواشيه الجمة من المسائل المقررة للمذهب الحافلة بكل مطلب مبسوطا في وقت ومختصرا في آخر بحسب الحاجة والمواطن، كما يدرك ذلك كل فاطن، وهذا مع علمي بقلة بضاعتي وازدراء صناعتي إذا عرضت للانتقاد، وأهملت عن الإصلاح والإرشاد فما كل من صنف أجاد، ولا كل من قال وفى بالمراد ولكني أقول كما قال الحريري : وإن تجد عيبا فسد الخللا فجل من لا عيب فيه وعلا وقد سميته ( التاج المذهب لأحكام المذهب ) راجيا من الله سبحانه أن يديم نفعه للعباد ويجعله لعبده ذخيرة إلى يوم المعاد، خالصا لوجهه الكريم ووسيلة إلى جنات النعيم.

Halaman 2

[فصل في تعريف التقليد]

قال الإمام عليه السلام ( مقدمة لا يسع المقلد جهلها ) بمعنى لا يجوز له الإخلال بمعرفتها.

Halaman 3

( 1 ) ( فصل ) ( التقليد ) هو العمل بقول الغير أو الاعتقاد أو الظن بصحته، وإنما يجوز ( في المسائل الفرعية ) احترازا من الأصولية سواء كانت من أصول الدين أو أصول الفقه أو أصول الشرائع فإن التقليد فيها لا يجوز ( العملية ) احترازا من الفروع العلمية كمسألة الشفاعة، وفسق من خالف الإجماع فإنه لا يجوز التقليد فيهما ( الظنية ) وهي التي دليلها ظني ( والقطعية ) وهي التي دليلها قطعي فالتقليد في المسائل التي تجمع ما تقدم ( جائز ) عندنا ( لغير المجتهد لا له ) أي لا للمجتهد فإنه لا يجوز له التقليد ( ولو وقف على نص أعلم منه ) فإنه لا يجوز له تقليده إلا عند أن تضيق الحادثة فيجب عليه التقليد ( ولا ) يجوز التقليد ( في عملي يترتب على ) أمر ( علمي كالموالاة ) للمؤمن، وحقيقتها أن تحب له كل ما تحب لنفسك وتكره له كل ما تكره لنفسك، ومن ذلك تعظيمه واحترام عرضه وذلك وإن كان عملا فلا يجوز فيه التقليد ولا العمل بالظن ؛ لأن ذلك لا يجوز إلا لمن علم يقينا أنه من المؤمنين بالاختبار أو العلم أو الرجوع إلى الأصل والأصل فيمن ظاهره الإسلام الإيمان ما لم يعلم بيقين أنه قد خرج عنه ولو شهد عدلان أنه قد خرج عنه لم يعمل بذلك حيث لم ينضم إليه حكم.

( والمعاداة ) وهي نقيض الموالاة أيضا لا يجوز التقليد فيها ولا يكفي في العمل بها إلا العلم ؛ لأنها تترتب على الكفر أو الفسق وهما مما لا يجوز التقليد فيه، فكذا ما يترتب عليهما.

Halaman 4

[فصل شروط المقلد والمجتهد]

( فصل ) ( وإنما يقلد ) من حصل فيه شرطان ( أولهما ) قوله ( مجتهد ) وهو المتمكن من استنباط الأحكام الشرعية عن أدلتها وأماراتها وإنما يتمكن من ذلك من جمع علوما خمسة ( أولها ) : علم العربية من نحو وتصريف ولغة ؛ لأن الأدلة من الكتاب والسنة عربية الدلالة فلا يتمكن من استنباط الأحكام منها إلا بمفهوم كلام العرب إفرادا وتركيبا، والذي يحتاج منها قدر ما يتعلق باستنباط الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة.

( وثانيها ) : علم الآيات المتضمنة للأحكام الشرعية وقد قدرت خمسمائة آية قال الإمام عليه السلام أعني التي هي واردة في محض الأحكام وتؤخذ من ظواهرها وصرائحها.

فأما ما يستنبط من معاني سائر القرآن من الأحكام فإنها كثيرة واسعة إلا أنها غير مشروطة في كمال الاجتهاد بالاتفاق، ولا يجب في الخمسمائة أن تحفظ غيبا بل يكفي أن يكون عارفا بمواضعها من السور بحيث يتمكن من وجدانها عند الطلب من دون أن يمضي على السور جميعا.

( وثالثها ) أن يكون عارفا بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يلزم الإحاطة بل يكفيه أحد كتب السنن كسنن أبي داود وغيرها مما اشتهر بالصحة والاعتماد، ولا يلزم في حفظ السنة إلا كما تقدم في الآيات وهو أنه لا يلزم غيبها بل يكفي إمكان وجدان الحديث الذي يعرض طلبه في بابه إذا كان الكتاب مبوبا من دون مرور على الكتاب.

Halaman 5

( ورابعها ) المسائل التي وقع الإجماع عليها من الصحابة والتابعين وغيرهم التي تواتر إجماع مجتهدي هذه الأمة عليها قال الإمام عليه السلام : إلا أنها قليلة جدا أعني التي نقل الإجماع فيها بالتواتر.

( وخامسها ) علم أصول الفقه ؛ لأنه يشتمل على معرفة حكم العموم والخصوص والمجمل والمبين، وشرط النسخ، وما يصح نسخه وما لا يصح، وما يقتضيه الأمر والنهي من الوجوب والتكرار والفور وغيرها، وأحكام الإجماع وشروط القياس صحيحها وفاسدها، وكل هذا لا يكمل استنباط الحكم إلا مع معرفتها.

فهذه العلوم الخمسة لا يكمل الاجتهاد متى لم تكمل، وقد اشترط غير ذلك وليس عندنا بشرط.

( الشرط الثاني ) قوله ( عدل ) أي ذلك المجتهد عدل، والعدالة لها حقائق أثبتها ما قاله ابن الحاجب محافظة دينية تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة ليس معها بدعة.

( فرع ) : قال في البيان ولا يشترط كونها محققة كعدالة الشاهد والحاكم والإمام بل كعدالة إمام الصلاة، وهو عدم فعل الكبيرة، وعدم الإقدام على الصغيرة جرأة، ولا يجب الاختبار بل التوبة كافية.

Halaman 6

قال الإمام عليه السلام : ولما كان في الكبائر ما يعلم كونه كبيرا بصريح من كتاب الله - تعالى - أو سنة نبيه أو إجماع مستند إليهما بحيث لا يقع النزاع في مفهومه لكنه يؤول إلى الكفر أو الفسق بما يستلزمه من الوجوه فيسمى صاحبه كافر تأويل كالمجبر، وفاسق تأويل كالباغي، وكان حكمه حكم كافر التصريح عندنا في تحريم التقليد أشرنا إلى ذلك بقولنا عدل ( تصريحا وتأويلا ) أي من حق العدالة أن يكون من الطرفين فلا يجوز تقليد من سقطت عدالته من جهة التأويل ولا الأخذ بفتواه ( ويكفي ) من يريد التقليد ( المغرب ) عن حال هذا الذي يريد تقليده في معرفة الصلاحية أن يرى ( انتصابه ) أي انتصاب هذا العالم ( للفتيا ) حيث يرى الناس يأخذون عنه فإن ذلك طريق إلى غلبة الظن بصلاحيته إذا كان ( في بلد ) تكون ( شوكته ) وهي أمر دولته ( لإمام حق ) أي لمحق ؛ ليدخل المحتسب ( لا يرى جواز تقليد فاسق التأويل ) ؛ لأنه مهما لم يكن كذلك لم يأمن المستفتي الذي يحرم عنده تقليد فاسق التأويل أن يكون هذا المنتصب فاسق تأويل أو كافر تأويل عنده فلا يجوز له الأخذ عنه إذ لا يحصل غلبة ظن بصلاحيته حينئذ قال الإمام عليه السلام : فأما إذا كان البلد الذي هو فيه كما ذكرنا فإنه يغلب في الظن أنه ليس كذلك، وإنما قلنا المغرب ؛ لأنه لو اختبره وعرف صلاحيته جاز الأخذ عنه، وإن لم يأخذ عنه غيره، وكذا لو أخبره عدلان بصلاحيته.

Halaman 7

[فصل كل مجتهد مصيب]

( 3 ) ( فصل ) ( وكل مجتهد ) وقد تقدم بيانه متى وفى الاجتهاد حقه في الفرعيات العمليات الظنيات فهو ( مصيب ) بمعنى أن ما أوصله إليه نظره من إيجاب أمر أو تحريمه أو ندبه أو إباحته فذلك هو مراد الله - تعالى - ومراد الله تابع لما أداه إليه نظره لا أن نظره تابع لمراد الله - تعالى - وليس القصد بتوفية الاجتهاد حقه أن يعلم أنه قد أصاب في نظره بل يكفي غالب الظن.

قال الإمام عليه السلام : وقلنا ( في الأصح ) إشارة إلى الخلاف الواقع في ذلك ( والحي ) من المجتهدين بالأخذ عنه وتقليده ( أولى من الميت ) منهم ندبا مع الاستواء في العلم والورع ؛ لأن الطريق إلى كماله تكون أقوى من الطريق إلى كمال الميت في غالب الأحوال ؛ ولأنه قد خالف في صحة تقليده بعض العلماء القائلين بالتقليد بخلاف الحي ( والأعلم ) حيا كان أو ميتا فهو أولى ( من الأورع ) ؛ لأنه أهدى إلى الحق وأعرف بدرك الأدلة واستظهارها ( والأئمة المشهورون من أهل البيت ) بكمال الاجتهاد والعدالة سواء كانوا ممن قام ودعا كالإمام الهادي والإمام القاسم أم لا كزين العابدين والصادق وغيرهما فتقليدهم ( أولى من ) تقليد ( غيرهم ) عندنا ؛ لقرب نسبهم من رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ولأخبار وردت في أهل البيت رضي الله عنهم.

Halaman 8

[فصل في التزام مذهب معين وحكم انتقال المقلد]

( 4 ) ( فصل ) ( والتزام مذهب إمام معين ) حيا كان أم ميتا ( أولى ) من ترك الالتزام ولا يصح الالتزام مؤقتا ولا مشروطا ( ولا يجب ) الالتزام بل يجوز أن يقلد هذا في حكم، وهذا في حكم آخر ( ولا يجمع مستفت ) عامل ( بين قولين ) مختلفين ( في حكم واحد على صورة لا يقول بها إمام منفرد كنكاح خلا عن ولي ) عملا بقول أبي حنيفة.

( و) عن ( شهود ) عملا بقول مالك كما قيل فإن الطرفين، وإن قال بكل واحد منهما إمام لكنهما في حكم واحد وهو النكاح ولو سئل أبو حنيفة عن صحته قال ليس بصحيح ؛ لعدم الشهود، ولو سئل مالك عنه قال ليس بصحيح لعدم الولي فلا يكون في هذا النكاح مقلدا لواحد من الإمامين ؛ لأن كل واحد منهما يقول ببطلانه ( لخروجه ) أي الفاعل لذلك ( عن تقليد كل من الإمامين ).

( 5 ) ( فصل ) : ( ويصير ) المرء ( ملتزما ) لمذهب إمامه ( بالنية ) وهي العزم على العمل بقوله ( في الأصح ) ؛ لأن في ذلك أقوالا، وحاصل ذلك أن غير المجتهد لا يخلو إما أن ينوي الالتزام أو لا أو يعتقد صحة قوله أو لا فإن نوى الالتزام فهو الملتزم، وإن عمل واعتقد فهو المقلد، وإلا فهو المستفتي.

Halaman 9

هذا معنى ما في التكميل ( وبعد الالتزام ) لقول إمام معين في حكم واحد أو في أحكام أو في جملة المذهب فإنه ( يحرم الانتقال ) عن ذلك ( إلا إلى ترجيح نفسه ) أي بعد الالتزام يحرم الانتقال عما التزمه إلا إلى ترجيح نفسه أو ترجيح من قلده ( بعد استيفاء طرق الحكم ) الذي ينظر فيه وهي الأدلة عليه والأمارات حتى لا يغيب شيء مما يحتج به عليه، فمتى استوفاها اجتهد فيها ورجح ما رجح فإنه حينئذ يجب الانتقال إلى ما يترجح عنده كما يجب على المجتهد ترك الاجتهاد الأول لترجيح خلافه.

( فالاجتهاد ) عندنا ( يتبعض ) بمعنى أنه يكون الإنسان مستكملا لآلة الإجهاد في مسألة دون مسألة يعني بأن يعرف أدلة تلك المسألة دون غيرها كأن يعرف ما يدل على أن الطلاق يتبع الطلاق أو لا يتبع من الكتاب والسنة، ويعرف مراد ذلك من العربية وأصول الفقه، وكونه لم يجمع فيها بخلاف قوله فإنه يكون مجتهدا فيها فقط ( في الأصح ) من المذهبين.

قال الإمام عليه السلام : ثم لما كان ثم وجه آخر للانتقال بعد الالتزام عطفنا بذكره على المستثنى الأول فقلنا ( أو لانكشاف نقصان ) العالم ( الأول ) الذي قد عمل بقوله عن درجة الاجتهاد أو كمال العدالة، فإن ذلك يوجب الخروج عن تقليده.

Halaman 10