الطهارة

Halaman 495

بسم الله الرحمن الرحيم

من الحجة ما كفى فكيف قلتم في طهارة هذه الأشياء ، بخلاف ما قلتم به في طهارة الأعضاء ، وأمر الله في الأعضاء وتطهيرها ، أوكد من أمره في تطهير غيرها. هذا والله المستعان مما يناقض عليكم به أصولكم ، وتأباه عليكم إن أنصفتم أقل النصف عقولكم.

[الوضوء]

فعلى المتوضي إذا ابتدأ في الوضوء ، وأخذ في غسل ما أمره الله به من كل عضو ، أن يصب إن شاء الله على يده اليمنى من الماء ، قبل أن يدخل يده فيما يريد أن يتوضأ منه من الإناء ، فيغسلها بالماء حتى تنقى ، من كل ما كان فيها من نجس أو أذى ، ثم يغرف بها ويفرغها على يده اليسرى ، فيغسل بها كل ما يحتاج إلى غسل ، من كل ما أمر بغسله من دبر أو قبل ، حتى يطهر ذلك كله وينقيه ، من كل نجس أو أذى كان فيه ، ثم يغسل فرجه الأعلى ، غسلا نظيفا طيبا ، ثم انحدر فغسل فرجه الأسفل حتى يميط ما عليه من الأدران والأذى ، ثم يتمضمض إن شاء الله ثم يستنثر بغرفة من الماء يفرغها بيمنى يديه واحدة ، ولا يفرد إن شاء بغرفة الماء استنثارا ولا مضمضة على حدة ، ثم يغسل بعد وجهه كله ، اعلاه وجوانبه وأسفله ، يبدأ في غسله لوجهه من أعلى جبهته ، وأطراف ما طلع عليها من شعر رأسه وصدغيه إلى ما ظهر من لحيته ، كلها على ذقنه وأطراف لحيته ، ويجمع لحيته عند ذلك في بطون كفيه ، فإذا أتى على ذلك كله بما حددنا من غسله غسل ما أمر بغسله من يديه ، إلى آخر مناهي ما حدد له من مرفقيه ، ثم يمسح برأسه وأذنيه ، مقبلا في ذلك ومدبرا ببطون يديه ، حتى ينقى الرأس والأذنان ، مما عليهما من الأدران ، فإذا فرغ من مسح الرأس والأذنين ، غسل ما أمر الله سبحانه بغسله من الرجلين ، فأفرغ عليهما بيديه أو بإنائه أو غيره إفراغا ، وغسلهما بيسرى يديه غسلا منقيا سابغا ، يأتي به على حدود مناهي الكعبين ، ومسح باطن الرجلين ، وظاهرهما بيسرى يديه ، وخلل بالماء في إفراغه له ما بين أصابع رجليه ، فإنهما أولى أعضائه كلها بالغسل والوضوء والتطهير ، لمباشرته بهما الأماكن الدنس والأقاذير ، يبدأ في غسله لرجليه بيمناهما ، قبل غسله ليسراهما ، فإذا فعل ذلك

Halaman 497

كله ، فقد أتم بإذن الله طهوره وأكمله. ومن لم يغسل من ذلك كله ، ما أمر الله بغسله ، فهو عندنا في ذلك كمن لم يتوضأ ، ولم ينتفع مع تركه لذلك بما أدى ، ولزمه بتقصيره إعادة ما صلى. ووجب عليه الوضوء لما ترك منه مستقبلا.

وتأويل الوضوء في اللسان فإنما هو الإنقاء ، كما قلنا لكل ما وضي أو توضأ.

باب القول في المشرك

وكذلك إن أصاب شيئا من جسده ، مشرك بثوبه أو يده ، فهو في النجاسة كغيره ، ولن يطهر أبدا إلا بتطهيره ، فإن سقط مكان ما أصاب المشرك بجسده أو ثوبه عنه ، ولم يثبت ذلك المكان بعينة ولم يوقنه ، كان عليه غسل جسده كله ، ولم يطهر أبدا إلا بغسله.

وكذلك كلما أصاب ناحية من جسده من ميتة الأنعام ، أو ذبيحة أهل بها لغير الله في حل أو حرام ، والحكم عليه في غسله وتطهيره ، كالحكم عليه فيما ذكرنا من غيره ، يغسله من مكانه إن علمه بعينه ، وإلا غسل له جميع بدنه.

ومن أوكد ما على من لمس كل مشرك أو ثوبه ، أو مجلسه أو مركبه ، وكل من يشاق الله سبحانه بكبائر العصيان أو يعصيه ، فلا يجوز أن يتخذه مؤمن قبلة أو سترة ، لأنه ليس بطاهر وليس ممن له طهارة ، ولو طهر بالماء وتطهر فأكثر ما عتا في أمر الله واستكبر لأن الطهارة عند الله سبحانه طهران ، أحدهما طهر النفس والآخر طهر الأبدان.

فطهر الأنفس قبل أبدانها ، هو براتها من كبائر عصيانها.

وطهر الأبدان هو ما حددنا من الوضوء ، فيما أمر الله سبحانه بغسله من كل عضو ، فمن لم يطهرهما جميعا لم يكن طاهرا ولا مطهرا ، ولم يجز لمؤمن أن يتخذه قبلة ولا سترا ، وكذلك هو أبدا حتى يتوب إلى الله سبحانه ويرجع ، ويقصر عن مشاقته لله سبحانه وينزع.

فهذا ما لله على المصلي إذا صلى ، فرضا كانت صلاته أو تنفلا ، في الطهارة من

Halaman 498

لدن بطن قدميه إلى حاق ذوائب رأسه ، ثم لله عليه بعد هذا كله إذا صلى في لباسه ، ألا يصلي فرضا ولا تنفلا في شيء منه ، حتى تزول عنه كلما ذكرنا من النجاسة كلها عنه ، وأن يكون اللباس مع زوال نجاسته ، غير فاحش المنظر في وسخه ولا دناسته ، فإذا أنقى اللباس كله من كل نجس ، وبري من كل ما ذكرنا من فاحش الوسخ والدنس ، وطهر ما يتوضأ به من الماء ، وكلما يتطهر فيه من إناء.

[طهارة الماء والمكان]

وطهارة الماء أن لا يتغير ريح ولا لون ولا طعم ، وطهارة الإناء ألا تكون فيه نجاسة تعلم ، (1) فإذا أتم المتوضئ وضوءه هذا كله ، وقام بما لله عليه فيه فأكمله ، فهو حينئذ الطاهر غير شك ولا مرية ، ثم لله عليه بعد أن لا يصلي من بقاع الأرض إلا في بقعة نقية ، ولا يستتر بسترة من حجر أو مدر ، إلا أن يكون طاهرا من كل نجس أو قذر. فإذا أتم هذا كله من أمره ، فقد أتم ما أمره الله سبحانه به من وضوءه وطهره ، فغسل دبره وقبله ، وأنقى ذلك منه كله ، وطهر منه ما أمره الله سبحانه بتطهيره ، وقدم ما أمره الله بالتقديم له في الطهارة على غيره ، وكان تقديم ما قدم منه على غيره في التطهير ، دليلا على حكمة من حكم بتقديمه في التدبير ، وشاهدا على أن من حكمه متعالي من غفلة المغاليط ، وعالما بفرقة بين المحاب في الأشياء والمساخيط.

ولتقديمه على غيره ، ما أمر الله به من وضوءه وتطهيره ، ما يقول الله سبحانه ، ما أوضح أمره وبيانه : ( أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء ) [النساء : 43 ، المائدة : 6].

فأوجب سبحانه على كل متغوط من الوضوء إذا وجد الماء ، ما أوجب من الغسل إذا اوجد (2) في ملامسة النساء ، وقد يعلم أن المجيء للغائط قد يكون للخلاء والأبوال ،

Halaman 499

كما قد يعلم أن الملامسة قد تكون للنساء من الرجال.

وكيف لا يرون من لم يغسله عنه من مجرده (1) وهو هنالك نجس (2) غير متطهر ، وهم يزعمون ألا طهارة لمن كان في جسده أو ثوبه منه أصغر أثر ، أفيتنجس عندهم منه بالقليل الأصغر ، ويطهر في حكمهم منه مع الكثير أكثر ، فأي منكر أنكر؟ عند من يعقل أو يفكر؟! مما قالوا أو ذكروا ، وقبلوا فلم ينكروا!! فلقد كان أهل الجاهلية الأولى ، ومن كان لأكل الميتة مستحلا ، وإنه ليغسل عنه في جاهليته أثر البول والعذرة ، وكيف لا يغسله وهو يغسل تنظفا غيره من الأشياء القذرة ، وهما أقذر الأقاذير قذرا ، وأنتنه ريحا وأقبحه منظرا. وإن كانوا (3) أهل الجاهلية إذا طافوا ببيت ربهم ، ليلقون ما عليهم من ثيابهم ، تطهرا لله بطرحها في طوافهم ، فأين هذا مما في أيدي الجاهلية من اختلافهم؟ وما يقولون به في البول والقذرة على من مضى من أسلافهم ، ويضللون من أتى وخلف بعد من أخلافهم؟! فنعوذ بالله من الجهالة في دينه والعمى ، ومن العبث بما قالوا لمن كان مسلما ، فلو ما قيل به من ذلك في السلف ، قيل به في مشرك كان مشهورا بأكل الجيف ، لعده عيبا فاحشا كبيرا ، ولو أن ما يأكل معه من الجيف صغيرا! فكيف يقال به أو بمثله في مسلم أو إسلام؟! أو يتوهم حكما أو جائزا عند ذي الجلال والإكرام؟! وهو يحكم لا شريك له ، على كل مسلم في الدم بأن يغسله ، والدم أطيب ريحا وأنقى منظرا ، وأقل عند من يعقل أو لا يعقل نتنا وقذرا.

وكذلك الخمر وما يلزم غسله من الأنجاس كلها ، فليس منه شيء كالعذرة في نتنها وقذرها ، ولربما ظننت أنه ما وضع هذا القول ولا أصله ، إلا من كان يستحله الإسلام وأهله ، ممن وتره المسلمون والإسلام ، وكانت عبادته في جاهليته الأصنام ، وما أحسبه قيل قط إلا عنهم ، ولا أخذته هذه العامة المتحيرة إلا منهم ، اسعافا لهم وطمعا في الدنيا ، وإيثارا منهم على البصيرة العمياء.

Halaman 500

[الاغتسال من الجنابة أو النفاس]

وعلى من تطهر مما أمره الله بالتطهرة منه من الملامسة والاجتناب ، أن يغسل جسده كله جميعا ولا يلتفت فيتخفف إلا فيما تجوز الصلاة فيه من الثياب ، مع ما أوجب الله سبحانه عليه من اغتساله ، بما كان أوجبه الله عليه قبل من الوضوء على حاله ، لأن الله سبحانه قد فرض الوضوء أولا وحكمه ، كما فرض من الغسل في ملامسة النساء عليه فلزمه ، فجعل الله الوضوء عليه للصلاة واجبا ، كما أوجب عليه الغسل من الجنابة إذا كان جنبا. وعليه أن يقدم من الوضوء عند اغتساله وتطهره ، ما قدمه الله عليه وبينه له فيه من أمره ، فإن انتقص شيئا مما عددنا من هذا كله ، في طهارة لباسه أو في شيء مما حددناه من وضوءه وغسله ، كان منتقصا لما أمر به ، وعاصيا فيما انتقص الله ربه ، وكان عليه في ذلك كله الإعادة لما ترك ، وإلا كان هالكا عند الله سبحانه بتركه له فيمن هلك ، ومنتقصا بما ترك منه لأمر الله وعهده ، ومتعديا لما حدد الله في الطهارة من حده.

فإن لم يجد المتوضئ المغتسل ، أو المتوضئ الذي لا يغتسل ، ماء طهورا يتطهران لصلاتهما به ، تيمما صعيدا طيبا لا يشكان في طهارته وطيبه ، فمسحا إذا لم يشكا في طهارته منه بوجوههما وأيديهما ، فإذا فعلا ذلك فقد أديا فرض الله في الطهارة عليهما ، ولا يطهرهما في التيمم ويجزيهما مسح وجوههما وأيديهما ، حتى يعلق التراب بهما وعليهما ما يبين به أثر التراب فيهما. ومكان ما للوجه من الحد في مسحه من الصعيد ، مكان ماله من الوضوء سواء وفقا من التحديد ، وحد مسح متيمم الصعيد إذا مسح بيديه ، أن يمسح باطنهما وظاهرهما إلى مرفقيه ، ولا يطهر أبدا إلا من أتم طهارته بيقين لا شك فيه ، ولا ينقض وضوءه ولا طهارته بعد يقينه بها إلا يقين بنقضها ثابت ويصير إليه ، وإلا فطهارته أبدا ووضوؤه (1) وتطهيره ، لا يزيل يقينه بها شك منه ولا حيرة ، ولا ينقض ماله بها من حكم التطهر ، إلا ما خرج من قبل أو دبر ، أو حدث من دم سائل يقطر ، أو يسفح من أي جسده خرج فينحدر ، فأما ما خرج منه من البدن

Halaman 501

يعلق ولا يدفع ، أو يسبح من متعلقه في البدن فينقطع ، فليس مما يحتسب به ولا يعد ، ولا مما ينقض الطهارة ولا يفسد. وكل ما يجب على الرجل في التطهرة والوضوء ، فواجب مثله سواء ، على كل مرة حرة كانت أو أمة ، لأنهم كلهم ملة وأمة.

ونفاس المرأة وحيضها فما كان بعد من دمها ، فهو فيما ينقض عليها من طهارتها كالدماء وحكمها ، فإذا انتهى حيضها ووقف ، ونقيت منه حتى تنظف ، فعليها الغسل من ذلك كله ، لا تطهر أبدا إلا بغسله.

فإن خرج بها وقت طمثها أو نفاسها عما تعرف فعليها الغسل من ذلك من عدة أيامه ، خرجت من حكم الطمث والنفاس وكان كغيره من الدم وأحكامه ، يغسل منه غسلا واحدا ، ثم يتوضأ بعد كل صلاة وضوءا فردا ، فإذا عاد وقت طمثها إليها ، عدت ما كانت تعرف من وقت قرء واحد من أقرائها ، ثم اغتسلت عنده ، ثم عادت للوضوء بعده.

الاعتقاد

وعلى من قام من الرجال أو النساء لصلاة واحدة أو أكثر منها أن يتوضأ لها كلما قام إليها أبدا ، وهي وإن اجتمعت فإنما فرض الله فيها وعند القيام لها وإليها على من يريد أن يصليها وضوءا واحدا ، فإن هو فرق بين قيامه لصلاته بإقبال أو إدبار في شيء من حاجاته ، انتقض عليه بذلك عقد وضوءه لصلاته وطهارته ، ولزمه الوضوء كلما قام إلى شيء مفروق أو مجموع من صلواته ، وإن ثبت بعد الوضوء في مسجد من مساجد الله أو بيت من بيوت ذكره ، فهو ما ثبت فيه وأقام أبدا ثابت على وضوءه وطهره ، لأنه إذا كان كذلك فهو قائم إليها ، منتظر لها بعد ومقبل عليها.

ألا ترى كيف يقول الله سبحانه : ( يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ) (9) [الجمعة : 9] ، فما أمر الله به من السعي إلى ذكره والجمع فهو قبلها.

ومن القيام إلى الصلاة قعود من قعد لها منتظرا أو عليها مقبلا ، ولم يكن بغيرها من أمور الدنيا عنها مشتغلا ، فهو قائم في ذلك وإن طال إليها ، وكأنه بذكره

Halaman 502

لله في ذلك قد دخل فيها ، فوضوؤه أبدا ما كان كذلك وعلى ذلك غير منتقض ، وهو في ذلك مؤدي لما عليه من الطهارة لها من الفرض ، فهذا فيما به قلنا ، وما به في قولنا استدللنا.

[لباس المصلي]

وأوجبنا اللباس في الصلاة على كل مصلي ، وحرمنا على كل من صلى من المؤمنين كل تعري ، بدت منه عورة مستورة ، أو ظهرت معه فيه منه عورة ، لقول الله سبحانه : ( يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون ) (26) [الأعراف : 26]. واللباس ما وارى العورات وغطاها ، والرياش فزيادة اللباس على ما سترها وواراها ، ومما أوجبنا له ذلك أيضا ، ما أوجبه الله تبارك وتعالى منه على بني آدم ففرضه عليهم فرضا ، فقال سبحانه : ( يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ) (31) [الأعراف : 31].

فأمر تبارك وتعالى جميع الناس ، بالأخذ عند كل مسجد لزينة اللباس ، وفيما قلنا به من هذا من منزل القرآن ، ما كفى وأغنى كل ذي رشد وإيمان.

ولا يجوز لأحد أن يصلي شيئا من صلاته بشيء سرقه من ماء ولا لباس ، لأن الله سبحانه قد حرم الصلاة عليه به كما حرمها عليه بغيرها من الأنجاس.

[الاحتلام]

ومن اجتنب في منامه ، حتى يمني مما رأى في احتلامه ، وجب عليه من ذلك الغسل في أمنائه ، ما يجب على اليقظان في إنزاله لمائه. ومن كان نائما فلم ينزل ولم يمن ، أجزأه في ذلك كله من الوضوء ما يجزي كل متوضئ ، فإن غشي أهله فأكسل ولم يمن ، لزمه الغسل في ذلك كما يلزمه في الإمناء سواء ، لقول رسول الله صلى الله عليه وآله : (إذا

Halaman 503

التقى الختانان وجب الغسل)، (1) وفي ذلك ما يقول الله سبحانه ( ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا ) [النساء : 43] ، والجنب فإنما هو الممني ، المعرض لإمنائه عن أهله المنتحي ، ألا تسمع كيف يقول الله سبحانه : ( والجار ذي القربى والجار الجنب ) [النساء: 36] ، والجار الجنب ، فهو القاصي المنتحي بغير ما مرية ولا كذب ، لا يمته بقربى وهي في الرحم ماسة ، والإجناب فهو ما ذكره الله سبحانه من الملامسة ، لأن الله سبحانه يقول تبارك وتعالى في هذه الآية ، ما يدل على أنها الإجناب بغير شك ولا مرية : ( وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون ) (6) [المائدة : 6]. ولو لم يكن الإجناب هو ملامسة النساء ، لما احتيج في هذه الآية إلى ذكر وجود الماء ، فقال سبحانه : ( فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا ) [المائدة : 6] ، وطيب الصعيد لا يكون قذرا ولا قشبا (2).

وسواء احتلم فأمنى في احتلامه. أو لامس النساء فأمنى في غير منامه ، ومن اغتسل في اكساله ، لم يكن مذموما على اغتساله.

باب القول في السرقة

وأوجبنا على من سرق سرقة ألا يتوضأ بها ولا يصلي فيها ، لأنه عندنا في حكم الله ملعون عند الله بها وعليها ، ومنهي منها أشد النهي من الله عن حبسها عن أهلها

Halaman 504

طرفة عين ، ومحكوم عليه فيها بالقطع فيما شرعه الله من أحكام الدين ، وكيف يجوز أن يصلي على سرقة؟! أو في سرقة من سرقاته ، أو يتوضأ بما قد سرقه ، فيكون بما كان من وضوءه من ذلك ، عند الله في أهلك المهالك ، قد أحبط الله به عمله وأجره ، وأبطل بما ركب من ذلك طهره ، فلا وضوء ولا طهارة له ، وكيف يكون طاهرا أو متطهرا وقد أبطل عمله ، بما فارق فيه من التقوى ، وركب فيه بما (1) ركب من كبائر الأسواء ، ولا يقبل الله إلا من المتقين ، ولا يصلح الله عمل المفسدين ، فعمله غواء فاسد ، وهو عن التقوى عاند.

وكيف يصلح الله وضوءه وطهره ، وقد أحبطه الله ودمره؟! وكيف يطيب ذلك أو يطهر به ، وقد أبطل الله سعيه وعمله ، فلم يتقبله جل ثناؤه عنه ، ولم يصلح له ما عمل منه.

وكذلك ، ومن ذلك ، كل أرض مسجد أو مكان ما كان أخذ من أهله غصبا ، أو مسجد بني بمال سرق أو غلب عليه أهله من المؤمنين أو الذميين غلبا ، فلا يحل لأحد أن يأتيه ، ولا يسع مؤمنا أن يصلي فيه ، لأنه اتخذ بكفر في دين الله ومعصية ، وأسس بأسباب لله سبحانه غير مرضية.

ألا تسمع لقول الله سبحانه ، ما أنور بيانه : ( الذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون (107) لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين ) (108) [التوبة : 107 108]. فنهاه صلى الله عليه إذ بني لمعصية وبمعصية عن أن يقوم فيه أبدا ، وجعل تركه للقيام فيه وإن كان مسجدا من المساجد طاعة وهدى ، وكيف تجوز فيه صلاة ، أو يكون له طهر أو زكاة؟! ولم يأذن الله سبحانه في بنائه لمن بناه قط ، بل بناؤه له معصية لله كبيرة وسخط ، ودخوله على من بناه محرم لا يحل ، فكيف تحل فيه صلاة أو تقبل.

Halaman 505