Tafsir Bayan Kebahagiaan
تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة
[9.36-37]
{ إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا } استيناف لابداء ذم اخر للمشركين وعلة اخرى لمقاتلتهم اعلم، ان الايام والشهور الزمانية التى ههنا صور للدهر والدهر صورة للسرمد، والكل ظهور سير شمس الحقيقة فى بروجها الستة النزولية والستة الصعودية وغروبها فى افق كرة ارض الطبع وطلوعها منه وظهور الكل علينا بهذا الزمان الذى يعبر عنه باليوم والليل والشهر والعام، فهذه الايام والاشهر لها حقائق متمايزة فى مراتب الملكوت والجبروت وتلك الحقائق لها آثار وخواص ورقائق فى هذه، وما قاله الانبياء (ع) واصحاب الوحى والتحديث من خواصها وما جربه المجربون منها عشر من اعشار خواصها، وما يترتب عليها مثل ما قالوا من خواص ايام الاسبوع او ايام الشهور، ومثل ما قالوا من خواص الشهور ولما جعل المشركون كالطبيعيين واكثر العوام ما سمعوه منها كالاسمار ولم يستمعوه بسمع الحقيقة والاعتبار بل قالوا: ان الايام متشابهة والاشهر متوافقة لا تمايز بينها فى الحقيقة وان ما قيل فيها من التمايز والخواص محض اعتبار لا حقيقة له قال تعالى ردا عليهم، ان عدة الشهور عند الله كما انها عندكم اثنى عشر شهرا يعنى ما عندكم من اثنى عشرا قمرية فى كل عام تقريبا وشمسية فى كل عام حقيقة انما هى رقائق للحقائق التى عندنا، وكل منها مظهر لحقيقة من تلك الحقائق ولكل خواص وآثار ليست لغيره ولذا أتى بالتميز التأكيدى لاسم العدد تمكينا فى القلوب ولم يكتف بقوله عند الله وقال { في كتاب الله } اى مكتوب الله او الكتاب المبين الذى هو العقل او اللوح المحفوظ { يوم خلق السماوات والأرض } يعنى قبل استقرارها عندكم وبعد ما بين ان حقائقها عند الله مؤكدا هذا المعنى بالقيود الثلاثة بين بعض خواصها بقوله { منهآ أربعة حرم } ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب ثم أكد حرمتها بقوله { ذلك الدين القيم } الذى لا عوج فيه يعنى اعتقاد حرمتها والتصديق بها هو الطريق القويم الذى كانت الانبياء عليه فمن عدل عنه كان خارجا عن طريق الانبياء { فلا تظلموا فيهن أنفسكم } بان يقتل بعضكم بعضا وينهب ويأسر، او فلا تظلموا فيهن انفسكم بالاعتداء فيهن بهتك حرمتها بالمقاتلة فيها وارتكاب سائر ما لاينبغى { وقاتلوا المشركين كآفة } فى غير تلك الاشهر لانهم هتكوا حرمتها بالنسيء بقرينة انما النسيء زيادة فى الكفر وفى تلك الاشهر حيث بدؤكم بالقتال فيها بقرينة { كما يقاتلونكم كآفة } واتقوا هتك حرمة تلك الاشهر { واعلموا أن الله مع المتقين إنما النسيء زيادة في الكفر } استيناف فى موضع التعليل للامر بالمقاتلة والمراد بالنسيء تأخير حرمة الشهر الحرام الى شهر آخر وتحليل المقاتلة فى ذلك الشهر الحرام كانوا اذا جاء الشهر الحرام ولم يريدوا ترك المقاتلة فيه يقولون: هذا الشهر كسائر الاشهر فنقاتل فيه ونترك القتال فى شهر آخر، وكونه زيادة فى الكفر لانه بعد الكفر بالله بواسطة الكفر بالرسول تبديل لاحكام الله المقررة عنده المكتوبة فى كتبه العالية قبل خلق هذا العالم { يضل به الذين كفروا } حيث يخرجون من الطريق القويم المستقيم بالخروج منه { يحلونه } اى النسيء او الشهر الحرام المنسي { عاما } بيان لضلالتهم { ويحرمونه عاما ليواطئوا } يوافقوا { عدة ما حرم الله } عدد الاشهر التى حرمها الله { فيحلوا } بالنسيء { ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم } جواب لسؤال مقدر { والله لا يهدي القوم الكافرين } الى الطريق القويم ولذا احلوا ما حرم وحرموا ما احل وزين لهم القبائح.
[9.38]
{ يأيها الذين آمنوا } بالايمان العام او بالايمان الخاص { ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله } اى الجهاد الصورى او فى طلب الولاية او فى طريق القلب بالجهاد الباطنى والذكر والفكر ورفض الهوى وترك مأمول النفس { اثاقلتم إلى الأرض } ارض التراب او ارض الطبع او اراض النفس، ونزول الآية فى غزوة تبوك، وسبب غزوة تبوك على ما نقل ان رسول الله (ص) كتب كتابا الى بعض حكام ممالك الشام وأرسل حارث بن عمر والازدى، ولما وصل الحارث الى موتة من قرى بلقاء من اعمال الشام ومنها الى بيت المقدس مرحلتان، قتله شرحيل بن عمرو الغسانى احد امراء القيصر فوصل الخبر الى رسول الله (ص) فهيا سرية موتة وجعل زيد بن حارثة اميرا عليهم وقال حين الوداع:
" ان قتل زيد فالامير جعفر بن أبى طالب، وان قتل جعفر فالامير عبد الله بن رواحة، وان قتل عبد الله فالامير من ارتضاه المسلمون "
، وكان يهودى حاضرا فسمع مقالته فقال: يا ابا القاسم ان كنت صادقا فى نبوتك فكل من عينته للامارة فلا بد من ان يقتل، لان انبياء بنى اسرائيل اذا وجهوا عسكرا الى قتال الاعداء وعينوا جمعا للامارة هكذا قتلوا جميعا، فتوجه زيد مع العكسر الى المقصد وبعد المقابلة مع الاعداء والمقاتلة قتل الذين سماهم الرسول (ص) للامارة، وروى انه ما افلت من اهل الاسلام الا قليل، وروى ان كثيرا منهم بقوا وغيروا بعد يوم المقاتلة اوضاعهم فتوهم شرحيل وظن وصول المدد الى اهل الاسلام وارتحل وصار متحصنا، ورجع اهل الاسلام سالمين الى المدينة، وكان ذلك فى العام الثامن من الهجرة وفى هذا العام كان فتح مكة وغزوة حنين مع بنى هوازن، ثم لما دخل العام التاسع من الهجرة ورد عير الشام المدينة واشاعوا فيها ان سلطان الروم جمع الجنود يريد غزو المدينة، وان هرقل قد سار بجنود عظيمة وجلب معهم غسان وجذام وبهراء وقد قدم عساكره البلقاء ونزل هو حمص، فأمر رسول الله (ص) اصحابه بالتهيؤ الى تبوك وهى من بلاد البلقاء، وبعث الى القبائل حوله والى مكة والى كل من اسلم وحثهم على الجهاد وامر اهل الجدة ان يعينوا من لا قوة له على الخروج، روى ان ابا بكر عرض جمع امواله، وان عمر بذل نصف امواله، وان عثمان جهز مائتى ابل، وقيل: ثلاثمائة ابل، وبذل ألف دينار وعبد الرحمن بن عوف بذل اربعين وقية من الذهب وأربعة آلاف درهم، وهكذا بذل كل بقدر همته وسعته وبلغ عسكره (ص) الى ثلاثين الفا، وقيل: الى اربعين الفا، ولما كانت تلك الغزوة صعبة لبعد السفر وشدة القيظ وكثرة جنود الاعداء تقاعد بعض عن الحركة والغزو فنزل: { يأيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا } (الآيات)، وسار الرسول (ص) بالعسكر فى غاية المحنة والمشقة فى شدة حرارة الهواء وقلة الماء حتى نزل بعين تبوك وكانت عينه قليلة الماء فغسل (ص) يده ووجهه بمائها فنبع الماء منها بحيث أخذ جميع العسكر منه باعجازه (ص) ومكث (ص) فى ذلك الموضع عدة ايام، فصح عنده (ص) ان خبر خروج عسكر الروم كان كذبا فشاور الاصحاب فى الرجوع ورجع من هناك، وبعث (ص) خالد بن الوليد مع اربعمائة وعشرين فارسا ليغير على دومة الجندل، وبعد وصولهم الى نواحى دومة الجندل فى الليل وجدوا اكيدر حاكمها مع اخيه حسان ومعدود من خدمه فى طلب الصيد فقاتلوهم وقتلوا حسانا واسروا اكيدر وانهزم قليل منهم، ودخلوا الحصار وتحصنوا مع اخيه الاخر مصاد فقال الخالد لأكيدر: لا اقتلك وأذهب بك الى رسول الله (ص) ان امرت أخاك واهل القلعة ان يفتحوا باب الحصار ويسلموا الينا الف ابل وسبعمائة برد واربعمائة سنان واشترط لك ان آخذ حكومة دومة الجندل لك من رسول الله (ص)، فقبل اكيدر وصالح وأرسل الى اخيه مصاد ان: افتح باب الحصار وهيئ مال الصلح، وبعد اخذ مال الصلح رجع خالد ومعه أكيدر وأخوه مصاد ودخلوا المدينة سالمين غانمين { أرضيتم بالحياة الدنيا } استفهام توبيخ { من الآخرة } بدل الآخرة { فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل } الفاء للسببية باعتبار انكار الرضا بالحياة الدنيا.
[9.39]
{ إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم } بعد اهلاككم تهديد ووعيد بعد توبيخ وتقريع { ولا تضروه شيئا } بهلاككم او بتقاعدكم او بمكركم وهو اظهار للغنى عنهم وعدم الحاجة اليهم، والضمير المفعول اما لله او للرسول (ص) بقرينة المقام ولتوافق ضمير ان لا تنصروه { والله على كل شيء قدير } يقدر على نصرة رسوله بدون امدادكم وعلى اهلاككم واستبدالكم قوما غيركم.
[9.40]
{ إلا تنصروه فقد نصره الله } تذكير لهم بنصرته له (ص) حين لم يكن له معاون حتى يتحقق عندهم نصرته بدونهم استمالة لقلوبهم { إذ أخرجه الذين كفروا } حين شاوروا فى امره بالاجلاء والحبس والقتل فى دار الندوة كما سبق { ثاني اثنين } يعنى لم يكن معه الا رجل واحد وهو ابو بكر { إذ هما في الغار } غار ثور وهو جبل فى يمنى مكة على مسيرة ساعة { إذ يقول لصاحبه لا تحزن } والاتيان بالمضارع للاشارة الى انه كرر هذا القول لعدم سكونه عن اضطرابه { إن الله معنا } ومن كان معه لا يغلب فلا تحزن من اطلاع الاعداء وغلبتهم، روى عن الباقر (ع) ان رسول الله (ص) اقبل يقول لابى بكر فى الغار: اسكن فان الله معنا وقد أخذته الرعدة ولا يسكن فلما رأى رسول الله (ص ) حاله قال له: اتريد ان اريك اصحابى من الانصار فى مجالسهم يتحدثون؟ واريك جعفرا واصحابه فى البحر يغوصون؟ - قال: نعم فمسح رسول الله (ص) بيده على وجهه فنظر الى الانصار يتحدثون، والى جعفر واصحابه فى البحر يغوصون، فأضمر تلك الساعة انه ساحر { فأنزل الله سكينته عليه } السكينة كما فى الخبر ريح تفوح من الجنة لها وجه كوجه الانسان، وهى كما مضى قبيل هذا وفى سورة البقرة على ما حققها الصوفية صورة ملكوتية ملكية آلهية تظهر بصورة احب الاشياء على صدر السالك الى الله وأحب الاشياء الى السالك هو شيخه المرشد ووليه القائد، وتسمى عندهم بالسكينة والفكر والحضور وهى السلطان النصير والطمأنينة واليها أشير بقوله تعالى
Halaman tidak diketahui