890

{ قل لمن ما فى السموات والأرض } أى الأرضين ، لمن أجزاؤها ، وما حل فيهما ، ومن خالق ذلك ، ومن مالكه ، ولا بد أن يقولوا ذلك لله D ، كما قال { ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله } وقال { ليقولن خلقهن العزيز العليم } لما كان ذلك حجة قاطعة لا يقدرون على التخلص منها وعدم الإقرار بها ، ولا جواب لهم سواها ، أمر الله جل وعلا رسوله أن يبادر إلى الإقرار بها فقال { قل لله } كما أنهم يقولون الله لا بد ، أو يقال قل لله إن لم يقولوه ، والأول أولى لأنهم قالوه في مواطن ، وليس مما ينتظر جوابه لأنه متعين ، بل هو مما يقال إن فلانا قاله ولم يقله ، إذا كان لا بد من اعترافه بك ، فلك أن تقول قل عنهم « لله » وقيل : الاية علىأنه كأنهم تثاقلوا عن الجواب فأمره صلى الله عيه وسلم أن يجيب عنهم ، وذلك أن الموجودات منها ما شوهد حدوثه ، ومنها ما لم يشاهد حدثوه ، والكل عليه أثر الحدوث من عجز وتركيب وحاجة وغير ذلك ، ولا بد لها من صانع لأنها صنعة بديعة الإتقان ، والحكيم لا يعبق ، فإنما خلقها لعاقبة محمودة لمن لم يتخلف لعباده . وحببهم إلى نفسه وإلى الإذعان إلى الرسل بقوله ركتب } وعد وقضى { على نفسه الرحمة } تفضلا وإحسانا فى الدنيا والآخرة والدين على الناس كلهم ، ومن ذلك تسهيل الشرع وإنزاله وبيانه ونصب الدلايل عليه والتوفيق إليه علما وعملا وإهمهال الكافر ، وفى الآية أطلاق النفس على الله بمعنى الذات ، وهو جائز لهذه الآية ونحوها بلا مشاكلة ، ولو وجدت المشاكلة فى قوله تعالى { تعلم ما فى نفسى ولا أعلم ما فى نفسك } ودعوى تقدير المشاكلة هكذا ، وكتب على أنفسكم الذنب ، بعيد ، فليس كما قيل لا يطلق على الله ولو بمعنى لذات إلا لمشاكلة وأنها لا تطلق إلا على الحيوان ، أو إلا على غير الله D ، والآية رد على من قال يجب على الله الأصلح واصلاح ولو بلا وعد ، فإنه لا واجب على الله ، ولكن لا يخلف الوعد والوعيد ، فلا بد من وقوع ما قاله لأن إخلاقه نقص ، لا لوجوب عليه ، روى مسلم عن أبى هريرة عن رسول الله A : « لما قضى الله الخلق كتب كتابا فهو عنده فوق العرش : إن رحمتى سبقت غضبى » ثم رأيته للبخارى أيضا ، وروى الترمذى عن أبى هريرة عن رسول الله A : « لما خلق الله تعالى الخلق كتب كتابا عنده بيده على نفسه : إن رحمتى تغلب غضبى » وفى ابن مردويه روى أبو هريرة عنه A « أن الله تعالى كتب كتابا لنفسه قبل أن يخلق السموات والأرض فوضعه تحت عرشه فيه : رحمتى سبقت غضبى » ومعنى كتبه بيده : كتبه بقدرته ، والمراد التكوين وأنه لم يكتبه ملك ، ومعنى سبق رحمته كمالها على الغضب وقوتها . وقال سلمان ، عن رسول الله A : « إن الله تعالى خلق يوم خلق السموات والأرض مائة رحمة كل رحمة طباق ما بين السموات والأرض ، فجعل منها رحمة في الأرض فيها تعطف الوالدة على ولدها والطير والوحش بعضها على بعض ، فإذا كان يوم القيامة أكملها لهذه الرحمة » ، رواه مسلم . قال عبد الله بن عمرو بن العاص أن الله تعالى مائة رحمة أهبط منها رحمة واحدة إلى أهل الدنيا يتراحم بها الجن والإنس وطير السماء وحيتان الماء ، ودواب الأرض وهوامها وما بين الهواء ، واختزن عنده تسعا وتسعين رحمة حتى إذا كان يوم القيامة حولها إلى ما عنده فجعلها فى قلوب أهل الجنة وعلى أهل الجنة { ليجمعنكم } أيها الناس كلكم ، وقيل أيها المشركون ، كما أن الكلام فيهم { إلى يوم القيامة } فيجازيكم ، أى والله ليجمعنكم ، أو جواب لقوله كتب على نفسه الرحمة ، لأن معناه التأكيد ، والتأكيد قسم ، وعلى هذا فلا يقدر والله ، ويجوز أن يقدر والله ليجمعنكم بدلا من الرحمة بدل بعض ، ولا يحتاج لربط لأنه جملة ، أو كل ، وعليه فتكون الرحمة إمهال أهل الشرك وإمدادهم بالرزق عن معاجلة العذاب قبل يوم القيامة . إنه لو شاء لبعثهم قبل يوم القيامة وأدخلهم النار ، ول شاء لعجل العذاب فى الدنيا ولعلهم يتوبون كقوله { كتب ربكم على نفسه الرحمة } إنه من عمل الآية إلا أن المتبادر من الرحمة أن لا تحمل ذلك الإمهال خاصة ، وإن جعلناها رحمة الآخرة للكفرة قدرنا إن أسلمتم ، وفيه تعسف ، والكلام وعيد على الإشراك وإهمال النظر ، وذكر للرحمة بالإمهال كما رأيت ، ومعنى الجمع إلى يوم القيامة الجمع لهم فى القبور وما ينزل منزلتها ، أى لا يزال يجمعهم إلى يوم القيامة ، فإذا جاء وقت القيامة بعثهم فلم يتكلم على البعث إلا بذكر القيامة ، أو معنى جمعهم إلى حساب يوم القيامة ، أو معناه إنهاؤهم وإبلاغهم فيها إلى ذلك الوقت ، أو إلى بمعنى فى ، أى يجمعهم فى يوم القيامة ، ولا بأس بتفسير حرف بمعنى حرف آخر لداع ولو كان ذلك المعنى غير مقيس فيه ، أو المعنى يجمعهم لأجل ذلك اليوم ، كظاهر قوله تعالى { جامع الناس ليوم } إلخ . . . والجملة حال مؤكدة من اليوم ، والضمير لليوم ، أو نعت لمصدر محذوف ، عاد غليه الضمير ، أى جمعا لا ريب فيه { لا ريب فيه } أى لا شبهة فيه ، ولو جحد من جحد مع علمه ، وشك من شك ، والهاء للجمع المعلوم منيجمع أو ليوم القيامة { الذين خسروا أنفسهم } أجسامهم ، وخسرانها أن تكون فى النار وفى العذاب قبل النار أيضا ، وذلك بتضييع الإسلام الذى ولدوا عليه ، وإهمال العقل عن النظر ، أى ذم الله الذين خسروا أنفسهم ، أو هم الذين خسروا أنفسهم ، أى هؤلاء القائلون { إن هذا إلا سحر مبين لولا أنزل } إلخ . . . هم الذين خسروا أنفسهم ، فالجملة بعد ذلك معطوفة بالفاء ، أو مبتدأ خبره قوله { فهم لا يؤمنون } فالفاء فى خبر المبتدأ لشبهه باسم الشرط ، وعلى كل حال هى سببية ، لكن باعتبارها ما حصل به الخسر وهو التضييع والإهمال المذكوران ، فإن انتفاء الإيمان سبب عنهما ، وإلا فظاهر اللفظ أن الخسران نفسه سبب لانتفاء إيمانهم ، مع أن المراد غير ذلك ، وأجاز الأخفش إبدال الظاهر من ضمير الخطاب فيكون الذين بدلا من الكاف وهو ضعيف فى بدل كل ، وإن قيل الكاف للعموم والبدل بدل بعض لزم تفكيك الضمائر .

Halaman 395