706

. الخ ، وأنكر الروم إلقاء الشبه ، وقالوا إنه إضلال ، ويجاب بأنه لو لم يثبت إلقاء الشبه لزم تكذيب المسيح وإبطال نبوته وسائر النبوات ، وأيضا أقروا بأن المصلوب قال إلهى إلهى ، لم تركننى ، وهذا مناف للرضى ، وأنه طلب الماء وشكا العطش ، وفى الإنجيل أن المسيح يطوى أربعين يوما ، فالمصلوب الشبه { وإن الذين اختلفوا فيه } فى شأنه ، وهم اليهود ، فقال بعض : إنه كاذب فقتلناه ، وقال بعض وجه هذا القتيل وجه عيسى والبدن بدن صاحبنا ، وقال بعض : إن كان هذا عيسى فإين صاحبنا ، ويقال : إن اليهود حبسوا عيسى مع عشرة من الحواريين فى بيت ، فدخل رجل من اليهود ليخرجه فيقتله ، فألقى الله عليه شبه عيسى فقتلوه ، وقال من سمع منه ، إن الله يرفعنى إلى السماء ، أنه رفع إلى السماء ، وقيل : إن المختلفين النصارى ، فقال قوم : صلب الناسوت وصعد اللاهوت ، وهم النسطورية ، ولا يعدون القتل نقيصة لأنه وقع على الناسوت لا على اللاهوت ، وقال الملكانية : القتل والصلب وصلا إلى اللاهوت بالإحساس والشعور لا بالمباشرة ، وقال اليعقوبية : القتل والصلب وقعا بالمسيح الذى هو جوهر متولد من جوهر ، وهم القائلون ، المسيح صار بالاتحاد طبيعة واحدة ، وليس فى الطبيعة الواحدة ناموس متميز عن لاهوت ، والشىء الواحد لا يقال فيه مات ولم يمت ، وأهين ولم يهن ، وقالت الروم : هى على طبيعتين مع الاتحاد ، قلنا : إن فارق اللاهوت ناستوته عند القتل ، فقد أبطلوا دينهم ، إذا لم يستحق الربوبية إلا بالاتحاد ، وإن لم تفارقها فقد قتل الناسوت واللاهوت معا ، وإن أرادوا بالاتحاد أن الإله جعله مسكنا ، وفارق المسكن عند ورود القتل على الناس فقد ابطلوا الهيئة ، وقد أهين إذ لم يأنف اللاهوت عن مسكته ، وأساء الجواز إن قدر على الانتصار ، ولم ينتصر وإن لم يقدر فأبعد عن الربوبية ، وهذا هو المراد بقوله : وإن الذين اختلفوا فيه ، والناسوت جسمه واللاهوت روحه { لفى شك منه } لفى تردد من شأنه ولو من قال رفع لأنه لم يجزم ولو سمعه منه ، وهذا هو المراد ، وأصله استواء الطرفين ، ولكونه هنا لعدم الاستواء أكده بنفى العلم فى قوله { ما لهم به من علم إلا اتباع الظن } الاستثناء منقطع ، لأن اتباع الظن ليس من جنس العلم ، كماأن الظن ليس من جنس العلم ، وإن فسرنا الشك بالجهل ، والعلم بالاعتقاد الذى تسكن إليه النفس ، جزما كان أو غيره ، كان الاستثناء متصلا ، والشك والظن لا يجتمعان ، لأن إدراك النسبة مع الشك فيها لا يترجح فيه أحد الجانبين على الآخر ، وإدراكها بطريق ترجح أحدهما ظن ، والرجحان أحد طرفيه فالشك بمعنى التردد كما مر ، فإن الشك كما يطلق على ما لا يترجح أحد طرفيه يطلق على مطلق التردد وعلى ما يقابل العلم فأكده بقوله ما لهم به من علم إلا اتباع الظن ، والفرق بين التردد الذى هو عدم الجزم وبين ما يقابل العلم أن الثانى أعم ، لأنه كما يتناول الشك المصطلح عليه والظن يتناول الجهل ، وهو الاعتقاد غير المطاق لا يتناوله التردد { وما قتلوه يقينا } أى انتفى قتلهم إياه ، انتفاء يقينا ، أى انتفاء يتيقنه أهل الحق ، أو ما أيقنوا قتله ، أى ما قتلوه موقنين بأنه عيسى ، أو بالقتل ، أو ذوى يقين ، أو ماقتلوه قتلا يقينا ، ولا يجوز نصبه بقوله :

{ بل رفعه الله إليه } لأن معمول المعطوف لا يتقدم على العاطف ، وقيل ، ما قتلوا العلم ، أى بالغوا فيه ، وقيل ، ما فطعوا الظن يقينا ، ومعنى رفعه الله رفعه إلى السماء وإيصاله إلى موضع لا يجرى فيه حكم غير الله جل جلاله ، فلا يجرى عليه حكم العباد ، وهو فى السماء الثالثة ، وقيل الثانية ، وقيل حول العرش مع الملائكة ، لا يأكل ولا يشرب ، وينزل آخر الزمان فيسلم الناس كلهم يموت و ويدفن فى حجرة النبى A ، وقيل فى بيت المقدس ، ويحج ويعتمر ، ويتزوج ويضع الجزية ويقتل الخنزير ويمحو الصليب { وكان الله عزيزا } لا يردهما أراد لكمال قدرته ومنها رفع عيسى { حكيما } قولا وفعلا ، ومن حكمته رفع عيسى إلى السماء ، وإلقاء الشبه ، والمختار أن رفعه قبل صلب الشبه ، وأدم فى الأولى ، ويحيى وعيسى فى الثانية ، ويوسف فى الثالثة ، وإدريس فى الرابعة ، وهارون فى الخامسة ، وموسى فى السادسة ، وإبراهيم فى السابعة .

Halaman 207