142
{ سيقول } الخ نزلت قبل قوله : ما ولاهم وبعد { قد نرى تقلب وجهك } . . الآية فتكون معجزة بالإخبار بالغيب ، وتوطينا لنفوس المؤمنين على الصبر ، وليستعدوا للجواب ، ومفاجأة المكروه أشد على النفس ، وأدعى لاضطراب الجواب ، أو خطئه فقدم الله الإخبار لهم ولقنهم الجواب ، وعلى صحة نزولها بعد قولهم : ما ولاهم ، فالسين للتأكيد دون الاستقبال ، وفائدة التأكيد ذمهم ، بأنهم قد تحقق منهم كلام سوء وطعن ، فيكون الفعل للال المحكية تنزيلا للماضى منزلة الحاضر ، أو الاستمرار أو هى للاستقبال بمعنى ، أنهم سيعيدون القول ويكررونه مجاهرة ، وجد بعد إخفاء { السفهاء } من يضعون الشىء فى غير موضعه لخفة عقولهم ، ويعملون بغير دليل ويرون غير الدليل دليلا { من الناس } أى من جملة الناس ، لئلا يتوهم أن السفهاء هم خصوص المذكورين أوائل السورة ، والسفيه ولو كان قد يكون من الحيوانات لكن لا قول لها إلا شادا ، أو تأويلا فلا يحترز عنها ، والسفهاء اليهود المجاهرون ، والمنافقون بإضمار الشرك من العرب ، والمنافقون من اليهود ، ومشركو العرب ، أما اليهود فإنهم لا يرون الفسخ ، وكانوا يأنسون باستقبال النبى A بيت المقدس ، ويرجعون أن يرجع إلى دينهم ، ولما استقبل القبلة اغتموا ، وقالوا ، اشتاق إلى دين آبائه ، ولو ثبت على قبلتنا لعلمنا أنه المبشر به فى التوراة ، فبعض علموا أنه النبى ، وأنه سيرجع إلى الكعبة وكتم ، ولو لم يرجع إليها لعلموا أنه غير النبى ، وقال ذلك سفها ، وبعض ما علم وقال ذلك ، وأما المنافقون فقالوا : تحوله للكعبة لعب بالدين وعمل بالرأى لا دين ، وأما مشركو العرب فقالوا ، قد رجع إلى وفاقنا ، ولو بقى عليه من أول الأمر لكان أولى له وكذبوا ، لم يكن قط إلا على الإسلام ، إلا إن أرادوا موافقة الكعبة .
ويروى أنه كان يصلى إلى بيت المقدس فتأذوا بذلك ، وقيل : يجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس ولما حولت الكعبة قالوا ، لو كان من أول كذلك كأن أليق به ، وقالوا : رغب عن قبلة آبائه ، ثم رجع إليها ، وسيرجع إلى دينهم .
قال البراء : لما قدم رسول الله A المدينة صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا ، أو سبعة عشر شهرا ، وكان يحب أن يتوجه إلى الكعبة ، فأنزل الله تعالى « قد نرى تقلب وجهك . . . الآية » فكان يصلى إليها .
وفى رواية صلى إلى بيت المقدس تسعة أشهر أو عشرة أشهر ، وعن معاذ ثلاثة عشر شهرا ، وقيل سبعة أشهر { ما ولهم } صرفهم إلى الكعبة { عن قبلتهم } صخرة بيت المقدس .
وأصل الكعبة نوع من الاستقبال فى ذات المستقبل وأحواله فى مكانه ، ثم صار حقيقة عرفية عامة للجهة المسقبل إليها { التى كانوا عليها } فى صلاتهم ودعائهم وأمورهم ، وذلك ظاهر فى اليهود والمنافقين من العرب المعتقدين لحقية قبلة اليهود تقليدا لليهود .
Halaman 161