Tafsir Sadra al-Muta'allihin
تفسير صدر المتألهين
فكيف لا يكون واجبا، بل هو نوع ألم يحصل لا محالة عقيب حقيقة المعرفة بما فات من العمر، وضاع في سخط الله.
فإن قلت: تألم القلب أمر ضروري لا يدخل تحت الاختيار، فكيف يوصف بالوجوب؟
فاعلم أن سببه تحقق العلم بفوات المحبوب. وللعبد سبيل إلى تحصيل سببه، وبمثل هذا المعنى دخل العلم تحت الوجوب لا بمعنى أن العلم بخلقة العبد وحدوثه في نفسه، فإن ذلك محال، بل العلم، والندم، والفعل، والارادة، والقدرة، والقادر، كلها من خلق الله وفعله
والله خلقكم وما تعملون
[الصافات:96]. هذا هو الحق عند ذوي البصائر، وما سوى هذا ضلال ووبال.
وقد مر مرارا تحقيق نسبة الأفعال إلى الله، وأن الكل بقضائه وقدره، لا بالمعنى الذي ذهب إليه الأشاعرة. ولا بالمعنى الذي زعمه المعتزلة، ولا الذي اشتهر من الحكماء. بل بالمعنى الذي هو محجوب إلا على قوم شرح الله صدورهم، وباشر قلوبهم نور الحق.
فإذا تقررت هذه المقدمات فنقول: كل توبة إذا استجمعت شرائطها فهي مقبولة لا محالة.
اعلم أنك إذا فهمت معنى القبول لم تشك في أن كل توبة صحيحة فهي مقبولة، فالناظرون بنور البصائر، المستمدون من نور القرآن، علموا أن كل قلب سليم مقبول عند الله، ومتنعم في دار الآخرة في جوار الله، ومستعد لأن ينظر بعينه الباقية إلى وجه الله. علموا أن القلب الإنساني خلق في أصل الفطرة سليما، فكل مولود يولد على الفطرة وإنما يفوته الإسلام بكدورة ترهق وجهه من غبرة الذنوب وظلمتها، وعلموا أن نار الندم تحرق تلك الغبرة، وأن نور الحسنة تمحو عن وجه القلب ظلمة السيئة، وأنه لا طاقة لظلام المعاصي مع نور الحسنات، كما لا طاقة لظلام الليل مع نور النهار. بل كما لا طاقة لكدورة الوسخ مع بياض الصابون.
فكما أن الثوب الوسخ لا يقبله الملك لأن يكون لباسه، فكذلك القلب المظلم لا يقبله الله تعالى لأن يكون في جواره، وكما أن استعمال الثوب في الأعمال الخسيسة يوسخ الثوب، وغسله بالصابون والماء الجاري ينظفه لا محالة، فكذلك استعمال القلب في الشهوات يوسخ القلب، وغسله بماء الدموع، وحرقة الندم ينظفه ويطهره ويزكيه وكل قلب زكي طاهر فهو مقبول، كما أن كل ثوب نظيف فهو مقبول، وإنما عليك التزكية والتطهير، فأما القبول فمبذول، وقد سبق به القضاء الأزلي الذي لا مرد له، وهو المسمى فلاحا في قوله تعالى
قد أفلح المؤمنون
Halaman tidak diketahui