Tafsir Sadra al-Muta'allihin
تفسير صدر المتألهين
وأقول: ولك أن تحمل قوله تعالى: { الذي خلقكم والذين من قبلكم } على سبب وجوب العبادة وعلتها. وقوله: { الذي جعل لكم الأرض } - إلى آخره - على دلائل المعرفة، لتوقف العبادة عليها، وتوقفها على الدلائل، لأن الله لما أنعم علينا باعطاء الوجود، وإعطاء ما يتوقف عليه الوجود، استحق العبادة، وهي متوقفة على المعرفة، فذكر من الدلائل خمسة هي مجامع سائر الدلائل وجملها؛ وإلا فما من ذرة في الأرض ولا في السماء ولا فيما بينهما، إلا وفيها من عجائب القدرة وبدائع الفطرة، ما تظهر به الدلالة على وجود الصانع وعلمه وحكمته.
إثنان من تلك الخمسة هما الأرض والسماء - اللتان بمنزلة الآباء والأمهات -، وثلاثة منها هي المواليد.
أولها: الجماد، ومنه الماء النازل من السماء، واختصاصه بالذكر لكونه سبب حدوث غيره.
وثانيها: النبات، ومنه الثمرات، وخصت بالذكر لكونها غاية النبات.
وثالثها: الحيوان، وأفضله الإنسان المشار إليه بقوله: " رزقا لكم " ، وإنما خص هو بنسبة المرزوقية - وإن كان غيره من الحيوان مرزوقا من الثمرات - لكون علة غائية لوجود الثمرات ونحوها دون سائر الحيوان، بل هي أيضا كالأثمار مخلوقة لانتفاع الإنسان.
ثم السبب في ترتيب هذه الثلاثة ظاهر، لأنه بحسب ترتيبها في الحدوث؛ وكذا في تقديم الأولين عليها، وأما تقديم ذكر الأرض على ذكر السماء، فلأن الأرض أقرب إلينا من السماء، ونحن أعرف بحال الأرض - لكونها محسوسة بأكثر الحواس بل بكلها على وجه - منا بحال السماء، لكونها غير محسوسة، والمحسوس بحس البصر منها ليس إلا الكواكب، وإنما تحصل المعرفة بوجودها من جهة الحركات المستديرة المتفقة والمختلفة، الدالة على وجود جرم عظيم مستدير شامل لها، ومن جهة الحركات المستقيمة الدالة على وجود محدد للجهات بالصفة المذكورة.
فلننظر في الحكم والمنافع المنبعثة في خلق هذه الأشياء الخمسة، ولنذكر لبيانها خمسة إشراقات:
الإشراق الأول:
اعلم أن الرحمة الإلهية، لما لم يجز وقوفها عند حد يبقى وراءها الإمكان الغير المتناهي لأشياء ممكنة الوجود، من غير أن يخرج وجودها من القوة إلى الفعل أبدا، فيلزم التعطيل في جوده، والإمساك عن الاعطاء والكرم من فضل وجوده - كما زعمه اليهود - كما حكى الله عنهم بقوله حيث قالوا: يد الله مغلولة
ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشآء
Halaman tidak diketahui