*قد قال إذ عممني العمامة * أنت الذي بعدي له الإمامة
فلما سمع المسلمون صوت العباس أقبلوا راجعين يقولون: لبيك، وتبادر الأنصار خاصة، وقاتلوا المشركين حتى قال (صلى الله عليه وآله وسلم): " الآن حمى الوطيس " ثم أخذ كفا من الحصى فرماها بهم وقال: " شاهت الوجوه " فامتلأت عيونهم من التراب وولوا منهزمين ".
[9.28-33]
{ يأيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس } ، قيل: أراد كفار المشركين وأهل الكتاب، وإنما سماهم نجسا لأن معهم الشرك الذي هو بمنزلة النجس، ولأنهم لا يتطهرون ولا يغسلون ولا يتجنبون النجاسات، وعن ابن عباس: أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير، وعن الحسن: من صافح مشركا توضأ { فلا يقربوا المسجد الحرام } فلا يحجوا ولا يعتمروا كما كانوا يفعلون في الجاهلية { بعد عامهم هذا } وهو عام تسع من الهجرة، ويدل عليه قول علي (عليه السلام) حين نادى ببراءة: " ألا لا يحج بعد عامنا مشرك " وعن عطا: إن المراد المسجد الحرام خاصة، وعن عطا: يمنعون منه ومن غيره من المساجد { وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله } ، قيل: لما منع المشركين من الحرم شق ذلك على المسلمين وخافوا انقطاع المتاجر فأنزل الله هذه الآية، وعن ابن عباس : لما منعوا من الحرم ألقى الشيطان في قلوب المؤمنين من الحزن وقالوا: من أين نأكل وقد انقضت الميرة عنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر } الآية نزلت حين أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بغزوة الروم فغزوا بعد نزولها غزوة تبوك، وقيل: نزلت في بني قريظة والنضير وأصحابهم من اليهود، وكانت أول جزية أصابها أهل الإسلام، وأول ذل أصابه أهل الكتاب، وقيل: هو عام { ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله } يعني ما حرم في شريعة الاسلام، وقيل: أراد الأشياء التي حرفوها في التوراة وأخذهم الرشا، قوله تعالى: { ولا يدينون دين الحق } يعني ولا يعتقدون دين الاسلام الذي هو الحق وما سواه باطل { حتى يعطوا الجزية } يعني الخراج عن رقابهم { عن يد وهم صاغرون } إلى يد من يدفعونه اليه بأن يكون يد المسلم فوق أيديهم لأن قبول الجزية منهم وترك أرواحهم لهم نعمة عظيمة عليهم، وهم صاغرون أي يؤخذ على الصغار والذل وهو أن يأتي بها بنفسه ماشيا غير راكب ويسلمها وهو قائم والمتسلم جالس { وقالت اليهود عزير ابن الله } الآية نزلت في سلام بن مشكم والنعمان ومالك بن الصيف، وغيرهم من اليهود قالوا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): كيف نتبعك وأنت تركت ملتنا ولا تزعم أن عزير ابن الله؟ عن ابن عباس { ذلك قولهم بأفواههم } لأنه لا حقيقة له { يضاهئون قول الذين كفروا } يعني يشابهون، وقيل: يوافقون قول الذين كفروا عبدة الأوثان { قاتلهم الله } لعنهم الله وقيل: قتلهم الله { أنى يؤفكون } ، قيل: كيف يصرفون عن الحق إلى الافك والكذب، وقيل: كيف يصرفون عن الحق إلى الافك والضلال { اتخذوا أحبارهم } علماؤهم { ورهبانهم } قراهم، وقيل: الأحبار علماء اليهود والرهبان علماء النصارى { أربابا من دون الله } قيل سادة، وقيل: لقبولهم منهم التحليل والتحريم كما يطاع الأرباب في أوامرهم خلاف ما أمر الله به { وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو } فهو مستحق العبادة { سبحانه عما يشركون } { يريدون } ، قيل: الكفار في طلبهم { أن يطفئوا نور الله } ، قيل: يعني دين الله وهو الاسلام والقرآن، وقيل: أراد به اليهود النصارى وإطفاؤه، قولهم: هذا سحر مبين مثل حالهم في طلبهم أن يبطلوا نبوة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بالتكذيب بحال من يريد أن ينفخ في نور عظيم { ويأبى الله إلا أن يتم نوره } ليظهر الرسول على الدين كله على أهل الأديان كلهم، أو ليظهر دين الحق على كل دين.
[9.34-37]
{ يأيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان } الآية نزلت في أهل الكتاب، وقيل: في مانعي الزكاة، وقيل: هي عامة في أهل الكتاب والمسلمين، الأحبار علماء اليهود والرهبان علماء النصارى { ليأكلون أموال الناس بالباطل } أراد الرشوة في الحكم { والذين يكنزون الذهب والفضة } يعني جمعوا الأموال ولا يؤدون زكاتها وكل ما يؤدى زكاته فليس بكنز مدفونا كان أو غير مدفون { يوم يحمى عليها } أي يوقد عليها { في نار جهنم } أي على الكنوز حتى يصير نارا، وقيل: على الفضة { فتكوى بها جباههم } أي بتلك الكنوز المحماة جباههم { وظهورهم } يعني مانعي الزكاة ليعظم حسرتهم وغمهم ويقال لهم: { هذا ما كنزتم لأنفسكم } الآية، وقيل: إنما خص هذه المواضع بالكي لأنه إذا سأله السائل زوى وجهه عنه ثم أعرض عنه ثم ولى ظهره { إن عدة الشهور } أي عدة شهور السنة { عند الله } أي في حكمه وتقديره { اثنا عشر شهرا } أولها محرم وسمي بذلك لتحريم القتال فيه { في كتاب الله } ، قيل: في اللوح المحفوظ، وقيل: في حكمه وقضائه، وقيل: في كتاب الله الذي كتب لأنبيائه وأوحى إليهم، وقيل: القرآن { يوم خلق السموات والأرض } يعني كتبها وقضى بها عند خلق الأشياء { منها أربعة حرم } وكان تحريم القتال فيها، وقيل: لكثرة حرمتها وعظم الطاعات فيها وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب { ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم } يعني أن تحريم هذه الأشهر الأربعة هو الدين المستقيم دين ابراهيم واسماعيل وكانوا يعظمون الأشهر الحرم ويحرمون فيها القتال حتى لو لقي الرجل قاتل أبيه أو أخيه لم يمسه، وقيل: أحل القتال في الأشهر الحرم، وقيل: معناه لا تأثموا فيهن لعظم حرمتهن { وقاتلوا المشركين كافة } أي جميعا مؤتلفين على قتالهم { كما يقاتلونكم كافة } جميعا { واعلموا أن الله مع المتقين } بالنصر وبالمعونة فهو ناصرهم { إنما النسئ } مصدر أنسأ الله في أجله نسيئا وأنسأت الناقة في السير إذا رفقت بها، والنسيء أيضا فعيل بمعنى مفعول { زيادة في الكفر } قيل: كانوا يحولون المحرم صفراعن ابن عباس، وقيل: كان أهل الجاهلية يؤخرون الحج في كل سنة شهرا، وقيل: سبب ذلك أن العرب كانت تحرم الشهور الحرم وكان ذلك في ملة إبراهيم واسماعيل، وكانوا أصحاب حروث وتجارات، فشق عليهم مكث ثلاثة أشهر متواليات لا يغزون، فأخروا تحريم المحرم إلى صفر، ثم بعد زمان يؤخرونه إلى ربيع ثم كذلك شهرا شهرا حتى جاء الاسلام، وكان ذلك في كنانة وقد رجع المحرم إلى موضعه وربما زادوا الشهور فيجعلوها ثلاثة عشر شهرا وأربعة عشر شهرا ليتسع لهم الوقت، ولذلك قال تعالى: { إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا } ووافقت حجة أبي بكر في ذي القعدة ووافقت حجة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للوداع في ذي الحجة، وعن ابن عباس: هو تأخيرهم حرمة شهر حرمه الله إلى شهر لم يحرمه الله بحاجة تعرض لهم فيبدلوا المحرم من صفر وصفر من المحرم { ليواطئوا عدة ما حرم الله } أي ليوافقوا العدة ولا يخالفوها { زين لهم سوء أعمالهم } ، قيل: زينة الشيطان، وقيل: رؤساؤهم لاتباعهم.
[9.38-40]
{ يأيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله } الآية نزلت في غزوة تبوك قيل: لما رجع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من الطائف دعا الناس إلى غزوة الروم أيام النخل والزرع ومحبة القعود في الظل من شدة الحر فعظم ذلك عليهم وكرهوا الخروج، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قل ما يخرج في غزوة إلا كنى عنها إلا غزوة تبوك { فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل } لأنه زائد { إلا تنفروا } أي ألا تخرجوا، إجابة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الجهاد { يعذبكم عذابا أليما } وجيعا في الآخرة { ويستبدل قوما غيركم } أي يأتي بقوم أطوع منكم { إلا تنصروه } أي ألا تخرجوا معه إذا استنصركم على جهاد عدوه يعني الذين قعدوا { فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا } يعني من مكة لما اجتمعوا إلى دار الندوة وتشاوروا في أمره واتفقوا على قتله والكيد به فدفع الله عنه مكرهم وأمره الله بالخروج، فخرج معه أبو بكر إلى الغار ثقب في أعلى جبل ثور وهو جبل في يمنى مكة على مسيرة ساعة، مكث فيه ثلاثا واضطجع علي (عليه السلام) على فراشه ليمنعهم ما يشاهدون من طلبته، قيل: طلع المشركون فوق الغار فأشفق أبو بكر على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال له: ما ظنك باثنين الله ثالثهما، وقيل: لما دخلا الغار بعث الله حمامتين فباضتا في أسفله والعنكبوت فنسجت عليه، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): " اللهم أعم أبصارهم " فجعلوا يترددون حول الغار ولا يدرون ببابه إذ يقول لصاحبه { لا تحزن إن الله معنا } أي ناصرنا { فأنزل الله سكينته } أي طمأنينته { عليه } أي على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) { وأيده بجنود لم تروها } وهم الملائكة، روي أن أسماء بنت أبي بكر كانت تأتيهما بلبن يشربانه،
" وروي أنه لم يرهم عند الخروج إلا سراقة بن مالك بن جعشم فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): " اللهم اكفناه " فصاحت فرسه في الأرض إلى بطنها فعاهده لا يسوءه بسوء، فدعى فنجاه الله تعالى "
، ومضى حتى نزل خيمة أم معبد فسار حتى نزل المدينة فقال أنس بن مالك: ما رأيت يوما قط أحسن من يوم قدومه، وما رأيت يوما قط أقبح من يوم قبض { وجعل كلمة الذين كفروا السفلى } يعني دينهم الذين يتكلمون به وهو الشرك { وكلمة الله هي العليا } يعني دعوته إلى الاسلام { والله عزيز حكيم }.
Halaman tidak diketahui