814

Tafsir Al-Jilani

تفسير الجيلاني

Wilayah-wilayah
Turkmenistan
Empayar & Era
Seljuk

ثم لما تفاوتت أنوارهم بحسب الجلاء والخفاء المترتب على أعمالهم واستعداداتهم الفطرية { يقولون } مناجين: { ربنآ } يا من ربانا على الهداية والرشاد { أتمم لنا نورنا } تفضلا علينا، ومزيد إحسان بنا { واغفر لنآ } ذنوبنا؛ أي: استر أنانيتنا عن عيوب بصائرنا { إنك } بمقتضى جودك { على كل شيء } يدخل في حيطة علمك وإرادتك { قدير } [التحريم: 8].

ثم قال سبحانه: { يأيها النبي } المبعوث؛ لإعلاء كلمة التوحيد { جاهد الكفار } الذين سرتوا بكغيوم هوياتهم الباطلة شمس الحق، وأنكروا وجودها عنادا ومكابرة، وقاتل معهم بلا مبالاة بشوكتهم، وكثرة عددهم وعددهم، هم { والمنافقين } أيضا، مع أنك مؤيد من لدنا بالحجج القاطعة، والبينات الساطعة { واغلظ عليهم } بالأقوال والأفعال، ولا تكن معهم بعد اليوم، مثل ملاينتك معهم قبله ، بل اشدد عليهم، فإن الله معينك وناصرك، وهم سيغلبون عن قريب في الدنيا { و } في الآخرة { مأواهم } المعد لهم { جهنم } البعد والحرمان، وسعير الطرد والخذلان { وبئس المصير } [التحريم: 9] مصيرهم ومورجعهم جنهم.

[66.10-12]

وبالجملة: { ضرب الله } العليم الحكيم { مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط } وشبه حال الكفرة بحالهما في عدم دفع صحبتهم مع المؤمنين، ومحبتهم معهم شيئا من عذاب الله؛ إذ { كانتا تحت عبدين من عبادنا } وهم نوح ولوط - عليهما السلام - { صالحين } لقبولنا، مصلحين لأعمالهما وأخلاقهما، وعموم أطوارها { فخانتاهما } أي: تلكما المرأتان بالنفاق { فلم يغنيا } ولم يدفعا؛ أي: العبدان { عنهما } أي: عن تلك المرأتين { من } عذاب { الله } المنتقم الغيور { شيئا } من الإغناء، بل { وقيل ادخلا النار } المعدة للكفار والعصاة { مع } سائر { الداخلين } [التحريم: 10] فيها بلا مبالاة إلى زوجيهما.

{ وضرب الله } أيضا { مثلا } آخر { للذين آمنوا امرأت فرعون } شبه حال المؤمنين في وصلة الكافرين بحال امرأة فرعون مع فرعون، وعدم تضرر إيمانها منه، بل تأكد إيمانها بصحبة زوجها فرعون - لعنه الله - اذكر { إذ قالت } امرأة فعرون بعدما انكشفت بسرائر التوحيد، مناجية إلى ربها: { رب } يا من رباني بأنواع الكرامة، ووفقني على توحيدك { ابن لي عندك بيتا في الجنة } وذلك لما آمنت حين غلب موسى على السحرة فآمنوا له بعدما غلبوا، فقتلهم فرعون، وأمر بزجرها، وأوتدها بالأوتاد الأربعة في حر الشمس؛ حتى ترجع عن الإيمان ولم ترجع، ثم أمر اللعين أن يوضع فوقها صخرة عظيمة، فقالت حينئذ مناجية مع ربها من كمال تحننها وانكشافها: { رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون } الخبيث { وعمله } السيئ { و } بالجملة: { نجني من القوم الظالمين } [التحريم: 11] الخارجين عن ربقة عبوديتك بإيمانهم بهذا اللعين الطاغي، واعتقادهم بألوهيته وربوبيته، فماتت قبل وضع الصخرة.

{ و } ضرب الله مثلا أيضا للذين آمنوا: { مريم ابنت عمران التي } من كمال نجابتها وكرامتها، وطهارة ذيلها وعصمتها: { أحصنت فرجها } من مخالطة الرجال، وبالغت في التحصن والتحفظ إلى حيث رضي الله عنها وكرمها، وأعطاها ما أعطى من الإرهاصات والكرامات التي خلت عنها سائر نساء الدنيا، وبعدما كرمناها كذلك { فنفخنا فيه } أي: في جوفها من جيب درعها { من روحنا } الذي كنا نفخنا منه في قالب آدم الصفي، ومن تلك النفخة حبلت بعيسى عليه السلام؛ ولهذا صار عيسى في الصفوة كآدم، وظهرت منه معجزات ما ظهرت من نبي قط.

{ و } بالجملة: { صدقت } مريم { بكلمات ربها } أي: بعموم كلمات مربيها التي من جملتها: خلق عيسى عليه السلام من ذلك النفخ { و } بجميع { كتبه } المنزلة من عنده على عموم رسله { و } من كمال مجاهدتها في طريق الحق، وإخلاصها في الطاعات والعبادات، واتكالها على الله في مطلق الملمات، وكمال تفويضها عليه سبحانه وتسليما إليه: { كانت من القانتين } [التحريم: 12] أي: من عداد الكمل من أرباب القنوت، المنجذبين إلى حضرة الرحموت بكمال الخضوع والخشوع.

وفي هذا التمثيلين تعريض لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وحث لهن إلى حسن المعاشرة ومراعاة الأدب معه صلى الله عليه وسلم وكمال المصادقة، وتبعيد لهن عن النفاق والمراء والمجادلة معه في أمر أباحه الله له بمقتضى حكمته، إنما ضربهما سبحانه؛ لينزجرون بهما عما جئن به؛ لتكون عظة وتذكيرا لسائر المؤمنين المتعظين.

جعلنا الله من زمرتهم وجملتهم.

خاتمة السورة

Halaman tidak diketahui