Tafsir Al-Jilani
تفسير الجيلاني
فعليكم ألا تبالوا بأقاربكم وأرحامكم من الكفرة، ولا تلتفتوا نحوهم؛ إذ { لن تنفعكم أرحامكم } قراباتكم { ولا أولادكم } الذين أنتم توالون المشركين لأجلهم { يوم القيامة } المعدة؛ لتنقيد الأعمال الصادرة عن كل نفس؛ إذ الله { يفصل } ويفرق { بينكم } يومئذ، فيجازي كلا منكم حسب ما كسبوا خيرا كان أو شرا { والله } المطل على عموم أفعال عباده { بما تعملون } من الحسنات والسيئات { بصير } [الممتحنة: 3] يجازيكم عليه بمقتضى بصارته وخبرته.
[60.4-6]
ولا تستنكفوا عن حكم الله إياكم بقطع أرحامكم الكفرة، وأقاربكم المشركين؛ إذ { قد كانت لكم أسوة } وقدوة { حسنة } صالحة لائقة يؤتسى ويقتدى بها، كانت تلك القدوة نازلة { في } شأن { إبراهيم والذين معه } المؤمنين له، والمسترشدين من المتدينين بدينه، وقد كانوا يقولون بمقتضى تلك الأسوة الحسنة وقت { إذ قالوا لقومهم } الذين هم أقاربهم وأرحامهم الكفرة وعبدة الأوثان: { إنا } بعدما كوشفنا بوحدة الحق { برءآؤا } برئيون { منكم } لانهماكهم في الشرك أيضا { ومما تعبدون من دون الله } من الأصنام والأوثان الباطلة العاطلة، وبالجملة: { كفرنا بكم } وبدينكم الباطل، ومعبوداتكم العاطلة الباطلة.
{ و } بعد اليوم { بدا } ظهر { بيننا وبينكم العداوة والبغضآء أبدا } لا نصالح ولا نواسي معكم أصلا { حتى تؤمنوا بالله وحده } وتتبرؤوا عن معبوداتكم الباطلة مثلنا، فعليكم أيها المؤمنون اليوم أن تأتسوا وتقتدوا لجميع ما قال إبراهيم عليه السلام ومن تبعه لقومهم فيما مضى { إلا قول إبراهيم لأبيه } الكافر: { لأستغفرن لك } من الله يا أبي، وبالجملة: اقتدوا أيها المؤمنون بجميع أطوار إبراهيم عليه السلام وأقواله سوى هذا القول لأبيه معتذرا منه بقوله: { ومآ أملك لك } أي: ما أقدر وأدفع منك { من } غضب { الله } المنتقم الغيور { من شيء } نزل عليك بمقتضى قهره وسخطه سبحانه سوى الاستغفار والشفاعة إن قبل الملك الغفار مني هذا، وذلك قبل ورود النهي صلى الله عليه وسلم عن ودادة أهل الكفر، أو صدر عنه هذا الموعود وعدها إياه.
وبعدما أمرتم أيها المؤمنون بمحبة الله ومحبة رسوله والذين آمنوا معه، وتدينوا بدينه، ونهيتم عن مودة الأعداء وموالاتهم، ومواساة أخلاقهم وأطوارهم، قولوا مسترجعين إلى الله، مناجين معه: { ربنا } يا من ربانا على فطرة التوحيد والإسلام { عليك توكلنا } في كل الأمور بلا رؤية الوسائل في البين ثقة واعتمادا عليك { وإليك أنبنا } عدنا ورجعنا في الخطوب وعموم الملمات، لا إلى غيرك من الأسباب العادية { و } بالجملة: { إليك المصير } [الممتحنة: 4] كما أن مصدره منك؛ إذ لا موجود سواك، ولا مقصد ولا مقصود غيرك.
وبعدما وطنتنا في مقر توحيدك يا { ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا } بأن تسلطهم علينا فيفتنوا بنا، ويصيبونا بعذاب لا طاقة لنا بحمله { واغفر لنا ربنآ } ما فرطنا بمقتضى بشريتنا { إنك أنت العزيز } الغالب المقتدر على وجوه الإنعام والانتقام { الحكيم } [الممتحنة: 5] المتقن في تدبير مصالح العباد، وما جرى عليهم في المعاش والمعاد.
ثم بالغ سبحانه في التأسي والاقتداء بملة إبراهيم عليه السلام وقدوته فقال مؤكدا بالقسم: والله { لقد كان لكم } أيها المؤمنون { فيهم } أي: في إبراهيم والذين معه { أسوة حسنة } جرية صالحة يؤتسى ويقتدى { لمن كان يرجو الله } أي: التحقق برضاه، والتسليم بقضاه { و } يرجو { اليوم الآخر } ليتحقق عند مولاه بما وعد له وهيأه { ومن يتول } ويعرض عن الله، ولم يؤمن بالوقوف بين يدي الله فلن يضر الله شيئا { فإن الله } المتعزز برداء العظمة والكبرياء { هو الغني } المستغني بذاته، لا احتياج له إلى رجاء الراجين ومناجاتهم معه، ورفع حاجاتهم إياه { الحميد } [الممتحنة: 6] حسب أسمائه وصفاته بلا افتقار له إلى الحمد الحامدين، وشكر الشاكرين.
[60.7-9]
ثم لما ورد النهي الإلهي على وجه المبالغة والتأكيد عن موالاة ذوي الأرحام والأقارب من الكفرة تبرأ المؤمنون من أقاربهم وعشائرهم المشركين، وعادوا معهم، إلا أنهم أضمروا في نفوسهم حزنا وغما، فوعد الله سبحانه لهم إيمان أقاربهم تسلية لهم، وإزالة لحزنهم، فقال: { عسى الله أن يجعل بينكم } أيها المؤمنون { وبين الذين عاديتم منهم مودة } ومحبة خالصة جامعة بينكم وبينهم، ألا وهي الإسلام المسقط لجميع الآثام { والله } المطلع على ما في ضمائرهم عباده { قدير } على ذلك الجمع المستلزم للمودة { والله } القادر المقتدر على جمعكم { غفور } لفرطاتكم التي صدرت منكم { رحيم } [الممتحنة: 7] يرحمكم بمقتضى سعة رحمته وجوده.
ثم لما تحرج المؤمنون من عدم موالاتهم مع أقاربهم الكفرة، وذوي أرحامهم المشركين إلى حيث قدمت قتيلة بنت عبد العزى مشركة على ابنتها أسماء بنت أبي بكر بهدايا فلم تأذن لها بالدخول، ولم تقبل هديتها، فنزلت: { لا ينهاكم الله } الحكيم العليم { عن } المشركين { الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم } ولم ينهكم { أن تبروهم } ولا تحسنوا إليهم؛ إذ لا سبب للنهي عن ودادة هؤلاء { و } عليكم أن { تقسطوا } وتفيضوا { إليهم } بالقسط الإلهي على مقتضى الوصلة الموضوعية بينكم بالوضع الإلهي { إن الله يحب المقسطين } [الممتحنة: 8] المعتدلين في عموم الأحوال، سيما على ذوي القربى.
Halaman tidak diketahui