Tafsir Al-Jilani
تفسير الجيلاني
وبالجملة: يؤثرونهم ويختارونهم؛ أي: المهاجرين على أنفسهم في آخر ما آثروا لنفوسهم { ولو كان بهم خصاصة } أي: حاجة شديدة بليغة، ومحبة بالنسبة إلى ذلك الشيء، وما هو إلا من فرط محبتهم وإخلاصهم بالنسبة إلى إخوانهم المهاجرين { و } بالجملة: { من يوق شح نفسه } ويخالفها حتى يمنعها عن مقتضاها طلبا لمرضاة الله، ورعاية لجانب أخيه المسلم { فأولئك } السعداء المحافظون على آداب الأخوة والمروة { هم المفلحون } [الحشر: 9] المقصورون على الفوز العظيم من عنده سبحانه عاجلا وآجلا، في العاجل بالذكر الجميل، وي الآجل بالجزاء الجزيل.
{ و } بعد فقراء الأنصار للفقراء التابعين، وهم { الذين جآءوا من بعدهم } مهاجرين من بقعة الإمكان نحو فضاء الوجوب، مقتفين أثر أولئك الكرام، مريدين لهم بإحسان، مذكرين لهم بغفران، حيث { يقولون } في مناجاتهم مع ربهم في خلواتهم، وأعقاب صلواتهم: { ربنا } يا من ربانا على فطرة الإسلام { اغفر لنا } ذنوبنا التي صدرت عنا { ولإخواننا } في الدين، وهم { الذين سبقونا بالإيمان } وسلوك طريق العرفان { و } بالجملة: { لا تجعل في قلوبنا } يا مولانا { غلا } حقدا وحسدا { للذين آمنوا } مطلقا، لا للسابقين ولا للاحقين { ربنآ } يا من ربانا على الإخلاص والتوفيق تقبل منا مناجاتنا، واقض لنا حاجاتنا { إنك رءوف } عطوف على عموم عبادك، سيما المخلصين منهم { رحيم } [الحشر: 10] تقبل توبتهم، وتغفر زلتهم إن استغفروا نحوك نادمين عما صدر عنهم.
[59.11-14]
ثم قال سبحانه على سبيل التوبيخ والتقريع: { ألم تر } أيها الرائي { إلى الذين نافقوا } مع المؤمنين حيث { يقولون } في خلواتهم { لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب } وكان بينهم صداقة الشرك وأخوة الكفر، وموالاة البغض مع المؤمنين: لا تصالحوا مع هؤلاء المدعين؛ يعنون: المؤمنين، وإنا معكم، والله { لئن أخرجتم } من دياركم عنوة { لنخرجن معكم } ألبتة { ولا نطيع } ونتبع { فيكم } أي: في قتالكم وحرابكم { أحدا أبدا } من هؤلاء الأعادي { وإن قوتلتم لننصرنكم } ونعاوننكم ألبتة بلا تخلف منا { والله } المطلع على عموم أفعالهم ونياتهم فيها { يشهد إنهم لكاذبون } [الحشر: 11] في قولهم وعهدهم هذا مع إخوانهم.
حيث قال سبحانه: { لئن أخرجوا لا يخرجون معهم } ألبتة { ولئن قوتلوا لا ينصرونهم } جزما، وقد وقع ذلك، فإن أبي وأصحابه عهدوا مع بني النضير على هذا، ثم أخلفوهم، وهم قد خرجوا من ديارهم، وهؤلاء لم يخرجوا { ولئن نصروهم } بالفرض والتقدير، ويقاتلوا معكم أيها المؤمنون من جانب عدوكم، والله { ليولن الأدبار } وقت كركم عليهم { ثم لا ينصرون } [الحشر: 12] بعد ذلك؛ لشدة خوفكم ورعبكم في قلوبهم.
وبالجملة: { لأنتم } أيها المؤمنون { أشد رهبة } مرهوبية ومرعوبية راسخة { في صدورهم } متمكنة في نفوسهم من قبلكم، والحال أن تلك الرهبة الشديدة الحاصلة منكم إياهم ناشئة { من الله } إذ هو سبحانه قذفها في صدورهم من جانبكم، وأقدركم عليها { ذلك } أي: عدم تفطنهم بمنشئها { بأنهم قوم لا يفقهون } [الحشر: 13] ولا يعلمون عظمة الله، وحق قدره حتى يخشوا منه حق خشيته.
وبالجملة: لا تبالوا أيها المؤمنون بودادة المنافقين مع اليهود، واتفاقهم معهم؛ إذ { لا يقاتلونكم جميعا } مجتمعين متفقين { إلا في قرى محصنة } محصورة، مسورة بالدروب والخنادق { أو من ورآء جدر } يستحصنون بها؛ وذلك من فرط رعبهم، وشدة رهبتهم من المؤمنين، وإلا { بأسهم بينهم شديد } أي: حين حارب بعضهم بعضا، أو مع غير المؤمنين، قتالهم شديد وحرابهم عظيم، وإذا حاربوا مع المؤمنين { تحسبهم جميعا } مجتمعين ظاهرا في بادئ النظر { و } لكن { قلوبهم شتى } متفرقة مختلفة حقيقة؛ لافتراق عقائدهم، واختلاف مقاصدهم { ذلك } الافتراق والاختلاف { بأنهم قوم لا يعقلون } [الحشر: 14] ولا يفهمون ما هو صلاحهم في الدارين، وفلاحهم في النشأتين.
[59.15-20]
{ كمثل الذين } أي: مثلهم كمثل اليهود الذين مضوا { من قبلهم قريبا } بزمانهم { ذاقوا وبال أمرهم } في الدنيا من أنواع الهوان والخسار { ولهم عذاب أليم } [الحشر: 15] في الآخرة التي هي دار البوار.
بل مثلهم { كمثل الشيطان } أي: مثل المنافقين في إغراء اليهود على قتال المؤمنين كمثل الشيطان وقت { إذ قال للإنسان } أي: كل فرد وفرد من أفراد الكفرة: { اكفر } حتى أعينك على عموم مقاصدك ومرامك { فلما كفر } الإنسان - العياذ بالله - بتغريره { قال } له الشيطان بعدما كفر: { إني بريء منك } لا أعينك على شيء؛ لأنك كفرت بالله، وصرت عدوا لله { إني أخاف الله } القادر القاهر الغيور أن ينتقم عني بسبب معاوتنك ومظاهرتك؛ لكونه { رب العالمين } [الحشر: 16] فلا يجري التصرف في ملكه بلا إذن منه سبحانه.
Halaman tidak diketahui