Tafsir Al-Jilani
تفسير الجيلاني
وإنما رباهم سبحانه وقواهم على أبلغ وجه وأحسنه { ليغيظ } ويتحسر { بهم الكفار } المخالفون المخاصمون لهم من كمال تشددهم وترقبهم، وبالجملة: { وعد الله } المطلع على ما في استعداداتهم عباده من الإخلاص والتفويض { الذين آمنوا } بكمال المحبة والتسليم { و } مع ذلك { عملوا الصالحات } المقربة لهم إلى الله { منهم } أي: من جنسهم { مغفرة } سترا ومحوا لأنانياتهم الباطلة { وأجرا عظيما } [الفتح: 29] هو الفوز بشرف اللقاء، والوصول إلى سدرة المنتهى، وليس وراء الله مرمى.
رزقنا الله الوصول إليه، والوقوف بين يديه.
خاتمة السورة
عليك أيها المحمدي المتوجه نحو توحيد الذات - مكنك الله في مقعد الصدق، ووطنك في مقر التوحيد - أن تعتدل في عموم أوصافك، وأخلاقك وأعمالك، مجتنبا عن كلا طرفي الإفراط والتفريط، معرضا عن قصور مطلق التخمين والتقليد، مقتصدا في جميع أطوارك وشئونك، مقتفيا في جميع أخلاقكم وأطوارك أثر نبيك الهادي إلى سواء السبيل حتى ينفتخ لك أبواب عموم الكرامات والسعادات، وينغلق دونك مداخل أنواع المكروهات والمنكرات، وإياك إياك أن تختلط مع أهل الغفلة وأصحاب الجهالات المترددين في أودية الغي والضلالات؛ ليتيسر لك التحقق إلى فضائل الوصال؟
جعلنا الله من زمرة أوليائه المقتصدين، الذين ثبتوا على الصراط المستقيم.
[49 - سورة الحجرات]
[49.1-4]
{ يأيها الذين آمنوا } مقتضى إيمانكم: مراعاة الأدب مع الله ورسوله، فعليكم أن { لا تقدموا } ولا تتقدموا في أمر من الأمور وحكم من الأحكام { بين يدي الله ورسوله } أي: لا تبادروا بإمضاء الأحكام ما لم تشاوروا بكتاب الله وسنة رسوله ولم تعرضوها عليهما { واتقوا الله } الغيور المطلع على ما في ضمائركم ونياتكم، واحذروا عن المسابقة والمبادرة في الأقوال والأحكام بمقتضى أرائكم وأهوائكم { إن الله } المراقب عليكم في عموم أحوالكم { سميع } لأقوالكم { عليم } [الحجرات: 1] بنياتكم فيها.
{ يأيها الذين آمنوا } من خصائص إيمانكم بالله وبرسوله أن { لا ترفعوا أصواتكم } وقت التكلم مع النبي صلى الله عليه وسلم { فوق صوت النبي } ولا تخلطوا أصواتكم مع صوته، بل { و } عليكم أن { لا تجهروا له } صلى الله عليه وسلم { بالقول } مطلقا { كجهر بعضكم لبعض } إذ الجهر بالقول معه مخل لحرمته وتعظيمه، وإنما نهاكم سبحانه عنه؛ كراهة { أن تحبط } وتضيع { أعمالكم } أي: الصالحات منها { وأنتم لا تشعرون } [الحجرات: 2] إحباطها وضياعها.
وبالجملة: { إن } المؤمنين المحسنين { الذين يغضون } ويحفظون { أصواتهم عند رسول الله } مراعاة لتعظيمه، وحفظا للأدب معه { أولئك } السعداء المقبولون، هم { الذين امتحن الله } المجرب لإخلاص عباده { قلوبهم } التي هي وعاء الإخلاص والإيمان ليجعلها مقرا { للتقوى } المثمرة لأنواع اللذات الروحانية { لهم مغفرة } ستر وعفو عن مقتضيات بشريتهم { وأجر عظيم } [الحجرات: 3] هو تحققهم بمقام الرضا والتسليم.
Halaman tidak diketahui