708

Tafsir Al-Jilani

تفسير الجيلاني

Wilayah-wilayah
Turkmenistan
Empayar & Era
Seljuk

ثم قال سبحانه: { إن شجرت الزقوم } المعدة لذوي الغفلة والضلال { طعام الأثيم } [الدخان: 44] المنهمك في الجرائم والآثام، وهو أبو جهل ومن مثله في العتو والعناد، وهي في الحرقة والبشاعة { كالمهل } أي: الذهب والذائب، أو دردي الزيت الأسود، وهو من شدة حرقته وحرارته { يغلي في البطون * كغلي الحميم } [الدخان: 45-46] أي: كالماء الحار إذا اشتد غليانه، كيف هو، هو مثله يغلي في بطون أهل النار، قال صلى الله عليه وسلم:

" أيها الناس اتقوا الله حق تقاته، ولو أن قطرة من الزقوم قطرت على الأرض لأمرت على أهل الدنيا معيشتهم أبدا "

، فيكف حال من هو طعامه دائما ولم يكن له غذاء سواه، وبالجملة: هم مبتلون بهذا العذاب إلى حيث قطع أمعائهم.

ومع ذلك العذاب الهائل يقال من قبل الحق للزبانية الموكلين عليهم على الدوام: { خذوه } أي: المسرف الأثيم { فاعتلوه } أي: ادفعوه وسوقوه بشدة العنف والزجر { إلى سوآء الجحيم } [الدخان: 47] أي: واسطة { ثم صبوا فوق رأسه } مثل في جوفه { من عذاب الحميم } [الدخان: 48] ليستغرفوا بالعذاب الهائل استغراقا تاما، وقولوا له: عند صبكم وتعذيبكم على سبيل التهكم والتوبيخ: { ذق } أيها المتجبر الطاغي طعم العذاب الهائل { إنك } في نفسك وعلى مقتضى زعمك { أنت العزيز } المنيع { الكريم } [الدخان: 49] الغالب المقصور على الغلبة والكرم بين أهل الوادي، ثم قولوا لهم بعد تشديد العذاب عليهم تفظيعا لهم وتفضيحا: { إن هذا } العذاب والنكال الذي أنتم فيه الآن { ما كنتم به تمترون } [الدخان: 50] تشكون وتمارون في النشأة الأولى.

[44.51-59]

ثم ذكر سحبانه على مقتضى سنته المستمرة مستقر المؤمنين المتقين ومنزلتهم في النشأة الأخرى، قال: { إن المتقين } المجتنبين عن محارم الله في عموم أوقاتهم وحالاتهم، بعدما انقرضوا عن نشأة الأختبار والابتلاء { في مقام أمين } [الدخان: 51] أي: مقر مأمور مصون عن طريان التغير والانتقال، محروس عن وصمة الغفلة والضلال، وبالجملة: { في جنات } منتزهات من العلم والعين والحق { وعيون } [الدخان: 52] جاريات من أنواع المعارف والحقائق والكشوفات والشهودات، ومن كمال تلذذهم وترفههم باللذات الروحانية { يلبسون } من ألبسة أرباب الكشف والشهود في مراقي درجات القرب والوصول { من سندس وإستبرق } أي: مما رق وغلظ من عروض المعارف والحقائق إلى أن صاروا { متقابلين } [الدخان: 53] في المحبة، متماثلين في الوجد والحضور.

{ كذلك } ينكشف لهم الأمر بعد انقراضهم عن نشأة الدنيا وعالم الحجبات { و } مع ذلك القرب والوصول والوجد والحضور { زوجناهم بحور عين } [الدخان: 54] مصورة من الأعمال الصالحة والأخلاق المرضية والخصائل السنية التي تأدبوا بها عند ربه في النشأة الأولى.

{ يدعون } أي: يطالب بعضهم بعضا حين تمكنهم واستقرارهم { فيها بكل فاكهة } ملذة لأزواجهم واستعداداتهم من الفواكه الحاصلة لهم من شجرة اليقين العلمي والعيني والحقي { آمنين } [الدخان: 55] من غوائل الشيطان وتسويلاته وتزييناته كما في النشأة الأولى، وبالجملة: هم أحياء عند ربهم بحياته الأزلية الأبدية، باقون دائمون ببقائه السرمدي، بحيث { لا يذوقون فيها الموت } أي: طعم مرارة الموت المعطل عن التلذذ باللذات الروحانية { إلا الموتة الأولى } التي ذاقوها عند افتراقهم عن لوازم نشأة الإمكان وانقطاعهم عن مقتضيات عالم الناسوت { و } بالجملة: بعدما وصلوا إلى فضاء الوجود، وحصلوا في عالم اللاهوت { وقاهم } وحفظهم { عذاب الجحيم } [الدخان: 56] أي: عن عذاب بقعة الإمكان ونشأة الناسوت.

وبالجملة: إنما أعطوا ما أعطوا { فضلا من ربك } يا أكمل الرسل وبمقتضى كرمه وجوده بلا استحقاق منهم واستجلاب بطاعاتهم { ذلك } الذي بشر الله به عباده المتقين { هو الفوز العظيم } [الدخان: 57] والفضل الجسيم، لا فوز أعظم منه وأعلى.

{ فإنما يسرناه } وسهلناه أي: المذكور في القرآن من المعارف والحقائق والرموز والإشارات التي خلت عنها سائر الكتب { بلسانك } وبناء على لغتكت { لعلهم } أي: الأعراب { يتذكرون } [الدخان: 58] أي: يفهمونه ويتعظون بما فيه، كي يتفطنوا إلى كنوز رموزه وبعدما لم يؤمنوا بك ولم يقصدوا كتابك، فكيف التذكر والاتعاظ بما فيه، وبالجملة: { فارتقب } وانتظر يا أكمل الرسل ما ينزل عليهم من العذاب { إنهم مرتقبون } [الدخان: 59] منتظرون أيضا بما ينزل عليك من القهر والغضب على زعمهم الفاسد.

Halaman tidak diketahui