Tafsir Al-Jilani
تفسير الجيلاني
{ وهدى } يهديهم إلى سلوك مسالك التوحيد { ورحمة } يبشرهم إلى البقاء الأبدي السرمدي بعد انخلاعهم عن خلع تعيناتهم العدمية، والإفناء عن هوياتهم الباطلة { لعلهم يتذكرون } [القصص: 43] رجاء أن يتذكروا ويتنبهوا من المواعظ والأحكام التي ذكرت فيه إلى جبلوا لأجله من المعارف والحقائق والرموز، والإشارات والمكاشفات والمشاهدات.
ثم لما قص سبحانه على حبيبه صلى الله عليه وسلم ما قص من قصة موسى الكليم، وكيفية انكشافه من النار الموقدة على الشجرة، وكيفية عروجه مترقيا من العلم إلى العين ثم إلى الحق، أراد أن يمن عليه سبحانه بما اصطفاه وفضله من بين البرايا على الرسالة العامة، وأخبره من المغيبات بطريق الوحي والإلهام ما ليس في وسعه، لولا وحيه وإلهامه سبحانه إياه، فقال: { وما كنت } يا أكمل الرسل حين انكشف موسى بالواد المقدس، وشهد من فضل الله عليه ما شهد { بجانب الغربي } أي: الوادي الذي على شفيرها الشجرة بالطرف الغربي من مقام موسى؛ أي: ما كنت حاضرا عنده { إذ قضينآ } وأوحينا { إلى موسى الأمر } الذي هو مطلوبه الحقيقي من مطلوبه الصوري { وما كنت } حينئذ { من الشاهدين } [القصص: 44] الحاضرين المطلعين على شأنه وشهوده.
{ ولكنآ } من كمال لطفنا وجودننا أخبرناك بما جرى بينه وبيننا في تلك الليلة، كما أخبرنا لك أحوال أمم { أنشأنا } من بعد موسى ومن قبلك { قرونا } أي: زمانا متطاولة ومدة بعيدة { فتطاول عليهم العمر } ومكثوا في الدنيا كثيرا، ودار بينهم الدول الحول وحدثت الفتن والمحن، ووقعت التغييرات والتحريفات في الشرائع والأديان، واندست معالم الهدى، وفشا الجدال والطغيان، واستولت الهوية الفاسدة والآراء الباطلة على أهل الزمان، فأخبرنا لك في كتابك هذا من وقائعهم؛ لتكون تذكرة لك، وعبرة للمؤمنين بك.
{ وما كنت } أيضا يا أكمل الرسل { ثاويا } مقيما { في أهل مدين } شعيب عليه السلام { تتلوا عليهم آياتنا } الدالة على كمال القسط والعدالة بلسان شعيب عليه السلام حين انحرفوا عن جادة الاعتدال في المكيلات والموزونات، واشتغلوا بالبخص والتطفيف وأنواع التنقيص والتخسير { ولكنا كنا مرسلين } [القصص: 45] مخبرين لك، موحين إليك ما جرى عليهم الأحوال.
{ وما كنت } أيضا حاضرا { بجانب الطور } الذي هو موعد موسى وقت { إذ نادينا } موسى لأخذ التوراة ووحينا إليه { ولكن } علمناك به؛ لتكون { رحمة } لك نازلة إليك { من ربك } تأييدا لك، وتقوية لشأنك، بل إنما أوحينا ما أوحيناك { لتنذر } به { قوما } بقوا على فترة من الرسل؛ إذ { مآ أتاهم من نذير من قبلك } من لدن عيسى عليه السلام، وهي خمسمائة وخمسون سنة، أو إسماعيل عليه السلام بناء على أن دعوة أنبياء بني إسرائيل مختصة بهم لا يتعدى إلى غيرهم { لعلهم يتذكرون } [القصص: 46] يتعظون بما في كتابك، ويتنبهون بما في حكمه وأحكامه إلى مبدئهم ومعادهم، ويفوزون منها إلى المعارف الحقائق التي جبلوا لأجلها.
[28.47-50]
ثم قال سبحانه على سبيل التوبيخ والتقريع: { ولولا } كراهة { أن تصيبهم مصيبة } عظيمة جالبة لنزول أنواع العذاب والنكال { بما قدمت أيديهم } أي: بشؤم ما اقترفوا من المعاصي { فيقولوا } حنيئذ مجتمعين علينا، مجالدين بنا بعدما أخذناهم عليها: { ربنا لولا } وهلا { أرسلت إلينا رسولا } من عندك، مؤيدا من لدنك بالآيات البينات { فنتبع آياتك } البالغة إلينا برسالته ونصدقها، ونعمل بمقتضاها { ونكون من المؤمنين } [القصص: 47] الموقنين بوحدانيتك، المخلصن من عذابك.
{ فلما جآءهم الحق } أي: الرسول المرسل { من عندنا } ملتبسا بالحق المؤيد بالآيات الساطعة القاطعة { قالوا } من خبث طينتهم، وشدة شكيمتهم وضغينتهم: { لولا أوتي } وهلا أوتي بهذا الرسول المرسل إلينا من الدلائل والمعجزات { مثل مآ أوتي موسى } حتى نصدقه ونؤمن به؛ وما هذا إلا من غاية غيهم وضلالهم، وغلظ حجبهم وغشاوتهم، وإلا لو أتوي له مثل ما أوتي موسى لكفروا ألبتة { أولم يكفروا بمآ أوتي موسى من قبل }.
حيث { قالوا } بعدما شاهدوا دلائله ومعجزاته مبالغين في رده وإنكاره: { سحران } أو سحران على القراءتين { تظاهرا } يعني: موسى وهارون، مع أن ما أتيا به بعيد بمراحل عن السحر، وأنتم أيضا من بقية ما كفروا بدلائل موسى، ونسبوها إلى السحر، ولو آتينا محمدا صلى الله عليه وسلم مثل ما آتينا موسى لكفرتم به ألبتة، كما كفر أسلافكم بآيات موسى ومعجزاته، مع أن دلائل محمد أقوى من دلائل موسى، وكتابه أجمع من كتابه وأتم نظما، وأكمل معرفة وأعم حكما وأشمل فائدة، وبعدما سمعوا ما دل على خباثة فطرتهم { وقالوا } مظهرين ما في نفوسهم من الشرك والنفاق: { إنا بكل } مما يدعي الرسالة والنبوة، والإرشاد والهداية { كافرون } [القصص: 48] منكرون له، لا نقبل عن أبناء جنسنا مثل هذه المفتريات التي أختلقوها من تلقاء أنفسهم، ونسبوها ترويجا لها إلى ما لا وجود له في الواقع، وسموه إلها واحدا أحدا صمدا، فردا وترا، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا.
{ قل } يا أكمل الرسل على سبيل التعجيز والتوبيخ بعدما عاينت منهم الكفر على أبلغ وجه وآكده: { فأتوا } أيها المفسدون المسرفون { بكتاب } نازل { من عند الله } المنزل للكتب؛ لإرشاد عباده { هو أهدى منهمآ } أي: من التوراة والقرآن { أتبعه } أي: الكتاب وما فيه من الأحكام، وأمتثل لأوامره، وأجتنب عما نهي فيه { إن كنتم صادقين } [القصص: 49] في نسبتنا إلى السحر.
Halaman tidak diketahui