Tafsir Al-Jilani
تفسير الجيلاني
Genre-genre
{ فإن شهدوا } بعدما حضروا افتراء على كتاب الله { فلا تشهد } يا أكمل الرسل { معهم } ولا تقبل شهادتهم { ولا تتبع أهوآء الذين كذبوا بآياتنا } ونسبوا إليها ما هي خالية عنها { و } اعلم يا أكمل الرسل أن { الذين لا يؤمنون بالآخرة } ولا بالمجازاة والكافأة مطلقا، ولا يبالون من أفعال هذه المفتريات الباطلة { وهم } من غاية جهلهم { بربهم } الذي رباهم بأنواع الكرم { يعدلون } [الأنعام: 150] يشركون ويجعلون له عديلا، تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
{ قل } لهم يا أكمل الرسل على مقتضى شفقة النبوة: { تعالوا } أيها التائهون في بيداء الضلال { أتل } وأعد لكم { ما حرم ربكم عليكم } في نشأتكم الدنيا، أولاها وعظماها: { ألا تشركوا به شيئا } من مصنوعاته؛ إذ هو أحد صمد فرد وتر ليس لغيره وجود حتى يشاركه ويماثله { و } أن تفعلوا { بالوالدين } اللذين هما سببان قريبان لظهوركم إلا { إحسانا } لإحسانهما إليكم في حفظكم وحضانتكم { و } أن { لا تقتلوا أولادكم } ظلما ناشئا { من } خوف { إملاق } فقر وقلة؛ إذ { نحن نرزقكم وإياهم } وأن { ولا تقربوا الفواحش } القبيح { ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق } كالقود وقتل المرتد ورجم الزاني المحصن وغيرها من المحارم التي رخص الشرع بارتكابها، إذا ارتكابها من جملة المحللات والمأمورات { ذلكم } المذكور مفصلا مما { وصاكم به لعلكم تعقلون } [الأنعام: 151] رجاء أن تسترشدوا لتهتدوا إلى توحيده.
[6.152-153]
{ و } من جملة المحرمات التي حرمها الحق عليكم: أن { لا تقربوا مال اليتيم } ولا تتصرفوا { إلا ب } التصرفات { التي هي أحسن } لليتيم وأحفظ لغبطته من تنمية ماله وحفظه { حتى يبلغ } اليتيم { أشده } أي: يسمع من التصرفات الشرعية شرعا، وحينئذ يسلم إليه بعد تجربته واختباره، { و } من جملتها أيضا: ألا تنقصوا وتخسروا في الكيل والوزن بل { أوفوا الكيل والميزان بالقسط } أي: بالعدل ولا تنقصوا منهما، وإن كان إبقاؤهما في غاية الصعوبة والعسر، فعليكم أن تبذلوا وسعكم وطاقتمك في تعديلها وإيفائهما مهما أمكن لكم، وما ليس في وسعكم { لا نكلف نفسا إلا وسعها } معفو عنكم، { و } من جملتها: ألا تميلوا في الأحكام { إذا قلتم } وحكمتم حال كونكم حاكمين بين الخصمين { فاعدلوا } في الحكومة { ولو كان } المحكوم عليه أو له { ذا قربى } من حميمكم وذوي قرابتكم، وعليكم أيها الحكام ألا تتجاوزوا في الأحكام عما حكم الله به بل { وبعهد الله } الحكيم العليم { أوفوا } وبمقتضى حكمه وحكمه وفوا { ذلكم } المذكور مما { وصكم } الله { به لعلكم تذكرون } [الأنعام: 152] رجاء أن تتذكروا وتتعظوا به أيها المتواجهون إلى توحيده.
{ و } اعلموا أيها المائلون نحو توحيدي { أن هذا } أي: المذكور في هذه السورة من الأوامر والنواهي والمحرمات والمحللات والأحكام والإشارات والآداب المعاملات { صراطي } الموصل إلى توحيدي { مستقيما } سويا بلا ميل واعوجاج { فاتبعوه } حتى تفوزوا إليه { ولا تتبعوا السبل } المتفرقة والطرق المختلفة { فتفرق بكم } وتضلكم { عن سبيله } أي: سبيل توحيده الذاتي { ذلكم } أي: اتباع طرق التوحيد مما { وصاكم } الله { به لعلكم تتقون } [الأنعام: 153] رجاء أن تحذروا بسببه عن سبيل الأهوية الفاسدة والآراء الباطلة المضلة عن طريق الحق وتوحيده.
[6.154-157]
{ ثم } اعملوا أنا { آتينا } من مقام جودنا { موسى الكتاب } تماما؛ أي: التوراة المبين لطريق الحق { تماما على } الوجه { الذي أحسن } بيانه وتوضيحه { و } بينا فيه أيضا { تفصيلا لكل شيء } من الكوائن والفواسد المتعلقة بعالم الفواسد المتعلقة بعالم الملك والشهادة { وهدى } من المعارف والحقائق المتعلقة بعالم الملكوت والغيب { ورحمة } من المكاشفات والمشاهدات المسقطة للإضافات مطلقا المغنية لنفوس الغير والسوى رأسا { لعلهم بلقآء ربهم يؤمنون } [الأنعام: 154] رجاء أن يتحققوا بمرتبة اليقين العلمي ثم العيني ثم الحقي.
{ وهذا } أي: القرآن { كتب أنزلنه } تتميما لمقاصد الكتب السالفة، وترويجا لحكمه وأحكامه { مبارك } كثير الخير والنفع لمن آمن به وصدقه { فاتبعوه } أيها المتوجهون نحو التوحه الذاتي، وامتثلوا جميع أوامره، واجتنبوا عن جميع نواهيه { واتقوا } عن تكذيبه والقدح يه وفيمن أنزل إليه { لعلكم ترحمون } [الأنعام: 155] تكتشفون وتفوزون به إلى فضاء التوحيد.
وإنما أنزلنا القرآن بعد التوراة والإنجيل، وإن كان أكثر أحكام الكتب الإلهية مشتركة كراهة { أن تقولوا } أيها المؤمنون { إنمآ أنزل الكتاب على طآئفتين من قبلنا } أي: اليهود والنصارى، وعلى لسانهم ولغتهم فلا تقبلون الأحكام الإلهية معللين قائلين: { وإن } أي: { كنا عن دراستهم } قراءتهم وتعلمهم لعدم علمنا بوضع لغتهم { لغافلين } [الأنعام: 156].
{ أو } أن { تقولوا } متحسرين متمنين: { لو أنآ أنزل علينا الكتاب } كما أنزل عليهم { لكنآ أهدى منهم } لحدة أذهاننا وصفاء صدرونا، ومتى علم واطلع سبحانه من استعداداتكم هذا { فقد جآءكم } من عنده لإهدائكم وإيصالكم إلى مقر توحيده { بينة } واضحة { من ربكم } الذي رباكم بإضافة استعدادات التوحيد وقابلياته، دالة عليه، مبينة له كاشفة إياه بالنسبة إلى المحجوبين من ذوي العلوم اليقينية { وهدى } يرشدهم إلى مرتبة اليقين العيني { ورحمة } لكم تستر هويتكم عن عيون بصائركم ويغنيكم في هوية الحق.
Halaman tidak diketahui