Tafsir Raghib Isbahani
تفسير الراغب الأصفهاني
Editor
د. هند بنت محمد بن زاهد سردار
Penerbit
كلية الدعوة وأصول الدين
Lokasi Penerbit
جامعة أم القرى
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ـ[تفسير الراغب الأصفهاني]ـ
المؤلف: أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى (المتوفى: ٥٠٢هـ)
جزء ١: المقدمة وتفسير الفاتحة والبقرة
تحقيق ودراسة: د. محمد عبد العزيز بسيوني
الناشر: كلية الآداب - جامعة طنطا
الطبعة الأولى: ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م
عدد الأجزاء: ١
جزء ٢، ٣: من أول سورة آل عمران - وحتى الآية ١١٣ من سورة النساء
تحقيق ودراسة: د. عادل بن علي الشِّدِي
دار النشر: دار الوطن - الرياض
الطبعة الأولى: ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م
عدد الأجزاء: ٢
جزء ٤، ٥: (من الآية ١١٤ من سورة النساء - وحتى آخر سورة المائدة)
تحقيق ودراسة: د. هند بنت محمد بن زاهد سردار
الناشر: كلية الدعوة وأصول الدين - جامعة أم القرى
الطبعة الأولى: ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م
عدد الأجزاء: ٢
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مقدمة تفسير الراغب الأصفهاني
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله على آلائه، وصلى الله على النبي محمد وأوليائه، ونسأله أن يجعلنا ممن ابتدأه بفضله ونعمته وأعقبه برأفته ورحمته وأن يجعلنا ممن ابتدأه بفضله ونعمته وأعقبه برأفته ورحمته وأن يجعلنا ممن أسبل عليه نور عصمة الأنبياء، وحصن قلوبهم بطهارة النقاء، إنه لطيف لما يشاء، قال الشيخ أبو القاسم الراغب رحمه الله تعالى:
القصد في هذا الإملاء إن نفَّسَ الله في العُمْر، ووقانا من نُوَبِ الدَّهْرِ، وهو مرجوٌّ أن يُسٌعِفنا بالأمرين أن نبين من تفسير القرآن وتأويله نكتًا بارعًا تنطوي علتى تفصيل ما أشار إليه أعيان الصحابة والتابعين ومنْ دُونَهُمْ من السلف المتقدمين ﵏ إشارة مجملة، نبين من ذلك ما ينكشفُ عنه السر ويُتلّجُ به الصدر، وفقنا الله لمرضاته برحمته وجعل سعينا مسعودًا وفعلنا في الدارين محمودًا، فمنه يُستحلاب مبداُ التوفيق ومنتهاهُ.
(فُصُولٌُ لاَبُدً مِنْ بَيَانِهَا فِيِ مبُتْدَاِ الكْتِاَبِ)
" فصل " في بيان ما وقع فيه الاشتباه من الكلام المفرد والمركب "
الكلام ضربان: مفردُ ومركبُ، فالمفرد المسمى بالاسم والفعل والحرف وذلك بالوصع الاصطلاحي سُمي بذلك، فأما بالوضع الأول، فكله يسمى اسمًا، ويحق إن صار ثلاثة أقسام، فإن الكلام إما أن يكون مُخْبّرًا عنه وهو الملقب بالاسم، وإما خبرًا وهو الملقب بالفعل، وإما رابطًا بينهما وهو الملقب بالحرف، والقسمة لا تقتضي غير ذلك، وما كان من الخبر نحو " فَاعل " و" مفُعَلٌ " والبصريون يسمونه إسمًا اعتبارًا بأحكامٍ لفظية، لأنه يدخله ما يدخل الأسماء من التنوين والجر وحروفه الألف والام، ويُخبِرُ عنه، والكوفيون يسمونه الفعل الدائم.
1 / 1
أما الفعل: فاعتبارًا بالمعنى، وهو إن قائمًا فيه معنى يقوم، وأما الدائم فلأنه يصلح للأزمنة الثلاثة وإن كان الحال أولى به في أكثر المواضع والأصل في الألفاظ: أن تكون مختلفة بحسب اختلاف المعاني، لكن ذلك لم يكن في الإمكان، إذ كانت المعلني بلا نهاية والألفاظ مع اختلاف تراكيبها ذات نهاية، وغير المتناهي لا يحويه المتناهي، فلم يكن بُّد من وقوع اشتراك في الألفاظ.
ويجب أن يُعلم أن للفظ مع المعنى خمس أحوال، الأول: أن يتفقا في اللفظ والمعنى، فيسمى " اللفظ المتواطئ "، نحو " الإنسان " إذا استُعمل في " زيد " و" عمرو ".
الثاني: أن يختلفا في اللفظ والمعنى، ويسمى المتباين نحو " رَجُلُ " و" فَرَسٌ "، والثالث: أن يتفقا في المعنى من دون اللفظ ويسمى: " المترادف "، نحو " الحُسَامِ " و" الصَّمْصَامِ ".
الرابع: أن يتفقا في اللفظ ويختلفا في المعنى، ويسمى: " المشترك " والمتفق، نحو " العيَْنِ " المستعملة في " الجارجة " و" مَنْبَع الماء " و" الدَّيْدَبَان " وغير ذلك ..
والخامس أن يتفقا في بعض الألفاظ وبعض المعنى، ويسمى " المشتق "، نحو " ضارب " و" ضرب "، والذي يقع فيه الاشتباه من هذه الخمسة: " الألفاظ المشتركة "، و" الألفاظ المتواطئة ": هل هي عامةٌ أو خاصةٌ، و" المشتقة " مما اشتق! كقولهم: " النبي "، و" البرية " منهم من قال: من " أنبأ، و" بَرَأ "، فترك الهمزة، ومنهم من قال: من النبوة، وهي الرَّبْوة، ومن " البْرَىَ " وهو: الترابُ ..
(فصل في أوصاف اللفظ المشترك)
اللفظ إنما يحصل فيه التشارك بأن يستوي اللفظان في ترتيب الحروف وعددها وحركاتها، ويختلفا في المعنى نحو: عينٌ و" كلبٌ " إذا اختلف ترتيب الحروف نحو " حِلم " و" حمَل " أو
1 / 2
العدد نحو العناء " والعنّاء، و" قَدَرُ " و" قَدَّر "، أو الحركة نحو: " قَدِمَ "، و" قَدُم "، أو لم يختلفا في المعنى نحو: " الإنسان " إذا استُعمل في " زيد " و" عمرو " فليس شيءٌ من ذلك الأسماء المشتركة، فإن الذي اختلف في العدد ربما كان من المشترك نحو: " ضاربٌ " و" ضرَبُ "، وربما كان من المتباينة نحو " القنا "، و" القْنَاَبلِ "، وربما كانت الكلمة صورتها صورة المترك في اللفظ، وتكون من المشتقة لختلاف تقديرهما، نحو " المحتار ": إذا كان فاعلًا، فإن تقديره: " مُفْتَعِلٌ "، وإذا كان مفعولًا فإن تقديره " مفتعل "، وكذا فلانٌ منحَلُّ، وأمر منُحَلُّ فيه، و" الفُلْلك " إذا كان واحدًا " كَقُفْل "، وإذا كان جمعًا فإنه كَوَثنِ، وناقةٍ " هجان " وامرأة " صنِاك " فإنها كحمار، ونوق " هجان " كقوم كرام، وعلى ذلك: هم " يغزون " نحو: " يخرجون "، وهن " يَغْزُوَنْ " نحو " يَخْرُجْن " وأنت " تعْصين " نحو " تشتمين "، وأنتن " تَعْصَيِنَ " نحو، " تَشتْمُن "، ونحو " دَبْر " مصدر دَبَرَ وجمع " الدَّابِرْ " نحو " ركْب "، وكثيرًا ما يلتقي فرعان بوضعنا للفظين متفقين في الصيغة، وهما مختلفان في المعنى، نحو " المصباح " لما يُشْرَبُ منه الصبوح، ولما يُشتق من " صَبَحَت " أي أسْرَجَتَ، واشتكى لإظهار الشكوى، ولاتخاذ شِكْوة اللبن.
(فصل: الاشتراك في اللفظ يقع لأحد وجوه)
إما أن يكون في لغتين نحو " الصقر " للبن إذا بلغ الحموضة في لغة أكثر العرب و" الصقر " للدبس في لغة أكثر أهل المدينة، وإما أن يكون أحدهما منقولًا عن الآخر أو مستعارًا، والفرق بينهما: أن المنقول هو الذي ينقله أهل صناعة ما عن المعنى المصطلح عليه أولًا إلى معنى آخر قد تفردوا بمعرفته، فيبقى من بعد مشتركًا بين المعنيين وعلى ذلك الألفاظ الشرعية نحو الصلاة
1 / 3
والزكاة، والألفاظ التي يستعملها الفقهاء والمتكلمون والنحويون، وأما المستعار: فالأسم الموضوع لمعنى فتستعيره لمعنى آخر له اسم وضعي غيره، فتستعمله فيه لمةاصلة توجد بين المعنيين كتسميتها الشجاع بالأسد، والبليد بالحمار.
والفرق بين حكم المنقول والمستعار أن المنقول شرطه أن يتبع فيه أهل تلك الصناعة والمستعار لكل أحد أن يستعير فيستعمله إذا قصد معنى صحيحًا، فيكون متضمنًا لمعنى التشبيه نحو أن تقول: ركبت " برقًا "، فتعني به فرسًا كالبرق سرعة، ورأيت بحرًا، أي سخيًا كالبحر، وأما المشتق: فشرطه أن يشارك المشتق منه في حروفه الأصلية ويوجد فيه ببعض معناه، ويخالفه إما في الحركات نحو " ضَرَبَ " و" ضُرِبَ " أو في الزوائد من الحروف نحو " ضَرَبَ " وضارب و" استضرب " أو في التقدير نحو " المختار " إذا كان فاعلًا أو مفعولًا وسائر ما تقدم.
فقد بان بهذه الجملة أنواع مفردات الألفاظ وما يقع فيه الاشتباه، وأما المركب من اللفظ: فما ركب من هذه الثلاثة، والتركيب على ضربين: تركيب يحصل به جملة مفيدة، وذلك: إما " من " اسمين أو " من " اسم وفعل، أو تقدير ذلك.
وتركيب لا يحصل به ذلك، ويكون إما من اسمين يجعلان اسمًا واحدًا، نحو خمسة عشر، وبعلبك، أو اسم مضاف إلى اسم نحو عبد الملك، أو اسم وفعل نحو: تأبط شرًا، أو اسم وحرف نحو " سيبويه "، أو فعل وحرف نحو " هلم " أو حرفين نحو " إنما " أو من جمل الكلام، وذلك لا يكون إلا بحذف بعضها نحو " بسملة "، و" حيعلة "، و" حوقلة " في قولهم: بسم الله، وحي على الصلاة، ولا حول ولا قوة إلا بالله - وجميع ما يقع فيه الشبهة من الكلام المركب لا يخلو: إما أن يكون لشيء يرجع إلى مفردات الكلام وذلك على
1 / 4
التفصيل المتقدم، وأما لشيء لا يرجع إلى ذلك، وذلك لا يخلو إما أن يكون من جهة المعنى، أو من جهة اللفظ، فأما ما كان من جهة المعنى: فلا سبيل إلى إزالته بتغيير العبارات وذاك أن المعاني ضربان، جلي وغامض، فالجليُّ: ما يمكن إدراكه بأدنى تأمل، كقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، وأما الغامض: فعلى ثلاثة أضرب، الأول: أن يكون المعنى في نفسه خفيًا، نحو الكلام في صفات الباري - سبحانه - ونفى التشبيه عنه، والثاني: أن يكون الكلام أصلًا يشتمل على فروع تتشعب منه كالآيات الدالة على الأحكام، والثالث: أن يكون مثلًا وإيماء، كقولهم: " الصَّيفُ ضَيَّعَتِ اللَّبَنَ "، وذلك لأن ظاهرة ينبئ عن شيء والمقصود غيره، وذلك في القرآن كقصة موسى مع الخضر في كسر السفينة، وقتل النفي الزكية بغير نفس، وإقامة جدار من غير نفع ظاهر، وكقصة الخصمين " إذ دخلو على داود ففزع منهم "، وكقوله: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾، واللفظ أيضًا ضربان: لفظُ جليَّ، وهو أن يقع كيفيات الله للفظ وكمياته على حسب ما يجب نحو " قوله تعالى ": ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ولفظ غامض، وذلك من ثلاثة أوجةٍ، إما من جهة الكيفية، وذلك بتقديم ما يقدر تأخيره.
1 / 5
أو تأخير ما يقدر تقديمه نحو قول الشاعر:
وَمَا مِثُلُهُ فِي النَّاسِ إِلاَّ مُمَلَّكًا ...
أَبُو أُمَّهِ حَيُّ أًبُوُه يُقَارِبُهْ
وعب ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾
وأما من جهة الكمية، وذلك إما من جهة البسط في الكلام، أو من جهة الحذف والإيجاز، فما كان من جهة البسط فكقوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ الآية، وكقوله: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾.
وما كان من جهة الإيجاز والحذف، كقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ وأما من جهة الإضافة، وذلك بحسب اعتبار حال المخاطب نحو قولك: أفعل في الطلب والشفاعة والأمر ...
(فصل في الآفات المانعة من فهم المخاطب مراد المخاطب)
الآفات المانعة من ذلك ثلاثة: الأولى: راجعة إلى الخطاب، إما من جهة اللفظ، أو من جهة المعنى، وقد تقدم ذلك، والثانية: راجعة إلى المخاطب، وذلك لضعف تصوره لما قصد الانباء عنه، أو قصور عبارته عن تصوير ما قُصدِ الإنبتء عنه، وخطاب الله ﷿ منزه عنها.
والثالثة: راجعة إلى المخاطب، وذلك إما لبلاده فهمه عن تصور أمثال ذلك من المخاطبة، وإما لشغل خاطره بغيره، وذلك غن كان موجودًا في بعض المخاطبين بالقرآن، فغير جائزٍ أن يشمل كافة المخاطبين، إذ من المستبعد أن يكون الناس قاطبة لا يفهمونه.
1 / 6
(فصل في عامة ما يوقع الاختلاف ويكثر الشبه)
وذلك ثلاثة أشياء حق العالم أن يعني بتهذيبها وسد الثُّلم المنبثقة عنها ..
أحدها: وقوع الشبه من الألفاظ المشركة وقد تقدم.
والثاني: اختلاف النظرين من جهة الناظرين، وذلك كنظر فرقتى - أهل الجبر والقدر، حيث أعتبر أهل الجبر السبب الأول فقالوا: الأفعال كلها من جهة الباري - سبحانه " وتعالى " - إذ لولاه لم يوجد شيء منها، وقال أهل القدر: إن الممكنات من جهتنا، حيث اعتبرو السبب الأخير، وهو المباشر للفعل دون السبب الأول، والثالث: اختلاف نظر الناظرين من اللفظ إلى المعنى، أو من المعنى إلى اللفظ، وذلك كنظر الخطابي إلى اللفظ في إثبات ذوات الأشياء، ونظر الحكماء من ذوات الأشياء إلى الألفاظ.
وذلك نحو الكلام في صفات الباري ﷿ فإن الناظر من اللفظ وقع عليه الشبهة العظيمة في نحو قوله تعالى:
﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، وقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾، وما يجري مجراه.
وأهل الحقائق لما بينوا بالبراهن أن الله تعالى واحدُ منَّزُهُ عن التكثر، فكيف عن الجوارح؟ بنوا الألفاظ على لذك، وحملوها على مجاز اللغة ومشاع الألفاظ، فصينوا عما وقع فيه الفرقة الأولى ...
1 / 7
(فصل في أقسام ما ينطوي عليه القرآن من أنواع الكلام)
وقد تقرر أن أنواع الكلام المركب الخبر، والاستخبار، والأمر، والنهي والطلب والشافعة، والوارد في كلام الله تعالى من ذلك: الخبر والأمر والنهي، وذاك أن علام الغيوب لا يحتاج إلى الاستخبار وكل ما ورد من ألفاظ الاستخبار فعلى الحكاية أو على الانكار والتوبيخ، والمولى لا يطلب من عبده ولا يتشفع إليه.
فإذن هذه الثلاثة ساقطة من القرآن، والخبر: ما ينطلق عليه الصدق والكذب، وخاصيته أن يتعلق بالأزمان الثلاث.
والأمر والنهي لا ينطلق عليهما ذلك، ولا يتعلقان إلا بالمستقبل، وفائدة الخبر ضربان: أحدهما: إلقاء ما ليس عند المخاطب إليه ليتصوره نحو أمور الآخرة من الثواب والعقاب.
والثاني: إلقاء ما قد تصوره ليتأكد عنده.
وعلى ذلك جميع ما ورد في القرآن مما قد علم بالعقل مثل " الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ".
وفائدة الأمر والنهي شيئان: أحدهما: حث المخاطب على اكتساب محمود واجتناب مذموم، والثاني: حثه على الوجه الذي به يكتسب المحمود ويجتنب المذموم المقررين عند المخاطب، والغرض الأقصى من الخطاب الخبري: إيصال المخاطب إلى تالفرق بين الحق والباطل ليعتقد الحق دون الباطل.
ومن الأمر والنهي ان يفرق بين الجميل والقبيح، ليتحرى الجميل، ويجتنب القبيح، فكل خبر: فإما أن يكون معربًا عما يلزم اعتقاده، فيسمى " الخبر الاعتقادي " وذلك نحو ما ينطوي عليه قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وإما أن يكون مبينًا عما يقتضي الاعتبار به، فيسمى " الخبر الاعتباري "، كأخبار الأنبياء وأممهم والقرون الماضية، والأخبار عن خلق السماوات والأرض.
وكل أمر ونهي: فإما أن يكون أمرًا بما يقتضي العقل حسنه، ونهيًا عما يقتضي العقل قبحه، فيسمى " الأوامر والنواهي العقلية "، أو أمرًا بما تقصر عقولنا عن معرفة حسنه، ونهيًا عما تقصر
1 / 8
عقولنا عن معرفة قبحه، فيسمى: الأوامر والنواهي الشرعية والفرق بين العقلي منها والشرعي: أن العقلي لا يتغير على مرور الأيام ولا ينسخ في شيء من الأزمان.
والشرعي: ما يتسلط عليه النسخ والتبديل، بحسب ما يتعلق به من المنافع.
(فصل في كيفية بيان القرآن)
اعترض " بعض " الناص فقال: كيف وصُفَ القرآن بالبيان، فقال تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾، وقال: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ وقال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾، وقال ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾، وقد علُم ما فيه من الإشكال والمتشابه وما يجري مجرى الرموز، نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ وقد وصفه تعالى بالمتشابه وبأنه لا يعلم تأويله إلا هو؟ فالجواب أن البيان المشترط فيه إنما هو بالإضافة إلى " أعيان " أرباب أهل الكتاب لا إلى كل من يسمعه ممن دب زدرج، فقد علمنا أن ذلك ليس ببيان لمن ليس من أهل العربية، ثم أحوال أهل العربية مختلفة في معرفته.
ولو كان البيان لا يكون بيانًا حتى يعرفه العامه لأدى إلى أن يكون البيان في الكلام السوقي العامي أو إلى أن لا يكون بيانًا بوجه، إذ كل كلام بالإضافة إلى قوم بيان، وبالإضافة إلى آخرين ليس ببيان، وقد عُلمّ أن قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ
1 / 9
خَلْفَهُمْ﴾ وقوله: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ من أشرف كلام، ولاَحَظَّ في معرفته لمن لم يتوفر نصيبه من البلاغة، وكذلك قول الشاعر:
فَاقْطَعْ لُبَانةَ مَنْ تَعرَّضَّ وَصْلُ ...
وقول الآخر:
وَمَا اْلَمرْءُ ماَدَامَتْ حشُاَشَةُ نَفْسه ...
بُمْدِركِ أَطْرَافِ الْخُطُوبِ ولاَ أَلِ
من أفصح كلام ولا يعرفه جميع الأنام، ثم إن القرآن وإن كان في الحقيقة هداية للبرية، فإنهم لن يتساووا في معرفته، وإنما يحيطون به بحسب درجاتهم واختلاف أحوالهم.
فالبلغاء تعرف من فصاحته، والفقهاء من أحكامه، والمتكلمون من براهينه العقلية، وأهل الآثار من قصصه ما يجهله غير المختص بفنه، وقد علم ان الإنسان بقدر ما يكتسب من قوته في العلم تتزايد معرفته بغوامض معانيه، وعلى ذلك أخبار النبي ﷺ، ولهذا قال ﵇:
" نَضَّرَ الله أمُرءًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا كَمَا سمَعِهَا حَتَّى يُؤدِيِها إلى مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا، فَرُبَّ مُبَلُغٍ أوْعَى مِنْ سَامِعٍ " ..
(فصل في الفرق بين التفسير والتأويل)
الفسر والسفر يتقارب معناهما كتقارب لفظيهما، لكن جعل الفسر لإظهار المعنى المعقول ومنه قيل لما ينبئ عنه البول تفسيره، وتسمى بها قارورة الماء.
وجُعل السفر لإبراز الأعيان للأبصار، فيقل: سفرت المرأة عن وجهها، وأسفر الصبح، وسفرت البيت إذا كنسته ..
، والتأويل من آل يؤول:
1 / 10