وفي تلك الساعة الخطيرة من تاريخ المدينة وفد الشاعر بعد غيبته الطويلة على الطائر المنحوس، ولشد ما دهش إذ رأى نفسه استحال تمثالا من رخام ورفع على خازوق المجد!
أظهر نفسه للحفل الكريم فأنكروه جميعا حتى زوجته المتباكية، وخاف سعادة رئيس البلدية أن تفسد الطبخة ويحرم الحلوان - الوسام الذي في جيب الوزير - فسار بالشاعر ناحية وقال له جادا: أنت مت يا صاحبي، وقد صرفنا مبالغ طائلة من الفرنكات لتمجيد ذكراك، فليس من الكياسة أن تكذبنا، ولا من الحكمة أن تخسر هذا المجد!
وكان الأديب نبيها فتذكر زوجته ورفقها به ... فصدق أنه مات، ولكنه عاش طويلا يتفيأ ظل تمثاله، وينظم الشعر في تمجيد صاحب التمثال أديب البلد وشاعره الكبير!
أكثر الله من أدبائنا المنتخبين، وأقل من المحترفين الدجالين ...!
التدقيق
إذا رأيت الرجل، موظفا كان أو معلما، عاملا أو تاجرا، يأتي متأخرا عن موعده فلا تلمه، لا تلم إلا الذين ربوه ناشئا ، لم البيت لأنه لم يرب، ولم المدرسة لأنها لم تهذب. فلو علم الأبوان أن ابنهما سيكون يوما ما حزمة عادات تمشي على الأرض، لأرضعته أمه في مواعيد مضبوطة، وأنامته في أوقات معينة، ولقيدته بنظام صارم صغيرا لترى منه رجلا دقيقا في سلوكه مستقيما في أعماله.
تفتح المدرسة بابها الساعة الثامنة والولد لا يزال منسلا تحت لحافه ينعم بالدفء، ويسمع الأب الساعة تدق السابعة والنصف فيرفع عقيرته مؤنبا وموبخا، فإذا بالأم تنتصر لولدها متغضبة على العلم والمدرسة: «الصحة قبل كل شيء»، ويسمع الصبي النائم نومة الهر فيطمع. ثم ترتفع الكلفة بينه وبين النظام المدرسي، فيصبح ولدا غير مكترث ويشب على الميوعة والإهمال، ويصير آخر من يروح إلى المدرسة وأول من يرجع إلى البيت، ويشب على هذه الخصلة فيدخل دور الأعمال من بابها الغربي ليخرج من بابها الشرقي، ويعود إلى أمه شاكيا قلة العمل وانسداد باب الرزق.
ما سد باب الرزق بوجهه إلا اليدان الأبويتان، فلو كانتا حازمتين دقيقتين لما انتهى ابنهما إلى حيث انتهى من سوء المصير.
من يحمل منا ساعة تقدم أو تؤخر ولا يلعنها عشرين مرة في اليوم؟ وإذا كانت هذه حالنا مع ساعاتنا فكيف تكون حال أرباب الأعمال مع معاونيهم الذين لا يدققون في مواعيدهم؟
حكي عن أحد رؤساء الولايات أنه انتظر كاتبه الخاص دقيقة، ثم تكرر هذا التأخر فضاق صدر الرئيس فدعا كاتبه ولامه على عدم تدقيقه، فنظر الكاتب إلى ساعته وأجاب معتذرا: ساعتي تؤخر.
Halaman tidak diketahui