٣٣- الإتيان بالجمع مكان المثنى
منشأ هذه الشبهة:
هو قوله تعالى: (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين) (١) .
والشاهد فى الآية عندهم هو " قلوبكما " حيث جاء المضاف (قلوب) جمعا، والمضاف إليه " كما " مثنى. والمتحدث عنه فى قوله تعالى: " تتوبا " مثنى كذلك. وقد علقوا على هذا فقالوا: " لماذا لم يقل: قلباكما " لأنه ليس للاثنين أكثر من قلبين "؟!
الرد على الشبهة:
العرب كانوا يستثقلون اجتماع تثنيين فى كلمة واحدة، فيعدلون عن التثنية إلى الجمع، لأن أول الجمع عندهم الاثنان.
ومما قاله أئمة اللغة والنحو فى جمع " قلوب " فى الآية قولهم:
و" قلوبكما " من أفصح الكلام حيث أوقع الجمع موقع المثنى، استثقالًا لمجئ تثنتين لوقيل " قلباكما " (٢) .
ومثل هذه الآية قوله تعالى:
(والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) (٣) .
فقد أوقع الجمع " أيدى " موقع المثنى: يدى. جريًا على سُنة العرب فى كلامهم، والقرآن بلغتهم نزل ولا يُفهم من هذا أن الجمع حل محل التثنية لإصلاح اللفظ فحسب، وإن كان إصلاح اللفظ وإحلال الخفيف منه محل الثقيل سببًا مقبولًا كافيًا فى توجيه هذا الاستعمال بيد أننا لو أنعمنا النظر، وأعملنا الفكر لظفرنا بمعانٍ أخرى غير إصلاح اللفظ، هذه المعانى يومئ إليها برفق مجىء الجمع فىمقام التثنية. وسيأتى البيان بعد قليل.
والخلاصة (٤):
اتضح لنا مما تقدم أن قوله تعالى " قلوبكما " من أفصح الكلام، وليس صحيحًا فحسب، ولكن ضآلة حظ مثيرى هذه الشبهات من اللغة العربية، هى التى جعلتهم يهرفون بما لا يعرفون، ويتعالمون وهم أميون.
أما ما يعود على المعنى من وضع الجمع موضع التثنية فوق إصلاح اللفظ كما تقدم، فبيانه فيما يأتى:
ولنبدأ بآية المائدة، نجد أن لجمع الأيدى دلالة على الجمع فعلًا، وذلك من جهتين:
الأولى: أن المراد من " السارق " و" السارقة " ليس فردين، بل نوعين:
* الذى يسرق من الرجال، سواء كان واحدًا أو اثنين أو ثلاثة أو أربعة أو ألف وهكذا؛ لأن المراد النوع لا الفرد.
* التى تسرق من النساء، لا على سبيل الفردية (امرأة) واحدة ولكن كل من ينطبق عليها وصف السرقة. فالسارقون لا يحصرون فى عدد معين، من عصر نزول القرآن إلى يوم القيامة.
والسارقات لا يحصرن فى عدد محدد، بل هن جمع لا يعلمه إلا الله.
فأنت ترى أن اللفظ فى " السارق " و" السارقة " وإن كان مفردًا، فهو من حيث المعنى جمع لا حصر له فى النوعين معًا: الذكور والإناث.
الجهة الثانية: إن السارق أو السارقة قد تتكرر منهما السرقة، فيقام عليهما الحد مرة أخرى بقدر مرات السرقة.
وعلى كلا الوضعين (الجهة الأولى والجهة الثانية) تكون كلمة: " أيدى " جمعا. مضافة إلى الضمير " هما " فيها دلالة ملحوظة على الجمع كما رأيت. وهذا ما لا يهتدى إليه أمثال مثيرى هذه الشبهات.
أما آية " التحريم " فقد فسرها العلماء تفسيرين:
أحدهما: أن " صغت " بمعنى: زاغت وأثمت، وهذا تفسير ابن عباس رضى الله عنه (٥) .
وعلى هذا يكون مجىء القلبين جمعًا فيه تهويل وتفظيع لما حدث من زوجتى النبى ﷺ، من إفشاء سره ﵇، لأن فى ذلك ما يؤذيه ﷺ (٦) .
أما التفسير الثانى فهو قريب من الأول، وهو: " إن صغت " بمعنى زاغت أى مالت عن الحق والصواب (٧) وتوجيهه توجيه التفسير الأول.
وفى الآيتين معنى لطيف غاية فى الطرافة والروعة والإعجاز وهو مراعاة اللفظ والمعنى معًا.
مراعاة اللفظ فى تثنية المضاف إليه، وهو " هما " فى " أيديهما " و"كما" فى " قلوبكما ".
ثم مراعاة المعنى فى جمع الأيدى والقلوب.
فتثنية الضمير المضاف إليه فيهما جاءت حملًا على اللفظ فى: "السارق والسارقة ".
وجمع الأيدى والقلوب جاء حملًا على المعنى المفهوم من إيحاءات المقام على وجه الحقيقة فى جمع الأيدى.
والمفهوم من المقام على وجه التنزيل التهويلى فى جمع القلوب.
أجل: إن القرآن لا تنتهى عجائبه، ولا تجف ينابيعه، لأنه تنزيل من حكيم حميد.
_________
(١) التحريم: ٤.
(٢) الدر المصون (١٠/٣٦٦) .
(٣) المائدة: ٣٨.
(٤) انظر: المصدر نفسه (٤/٢٦٢) .
(٥) فتح القدير للإمام الشوكانى (٥/٣٠١) .
(٦) انظر: القصة بتمامها فى كتاب من كتب التفسير: تفسير سورة " التحريم "؛ وليكن السابق - مثلًا.
(٧) الدر المصون (١٠/٢٦٥) .
1 / 81