وإذ قد تقرر هذا فنقول إن تصور المعقولات على وجوه ثلاثة، أحدها التصور الذى يكون فى النفس بالفعل مفصلا منظما، وربما كان ذلك التفصيل والنظام غير واجب بل يصح أن يغير، مثاله أنك إذا فصلت فى نفسك معانى الألفاظ التى يدل عليها قولك "كل إنسان حيوان" وجدت كل معنى منها كليا لا يتصور إلا فى جوهر غير بدنى، ووجدت لتصورها فيه تقديما وتأخيرا، فإن غيرت ذلك حتى كان ترتيب المعانى المتصورة الترتيب المحاذى لقولك "الحيوان محمول على كل إنسان" لم تشك أن هذا الترتيب من حيث هو ترتيب معان كلية لم يترتب إلا فى جوهر غير بدنى، وإن كان أيضا يترتب من وجه ما فى الخيال فمن حيث المسموع لا من حيث المعقول، وكان الترتيبان مختلفين، والمعقول الصرف منهما واحد، والثانى أن يكون قد حصل التصور واكتسب لكن النفس معرضة عنه فليست تلتفت إلى ذلك المعقول، بل قد انتقلت عنه مثلا إلى معقول آخر، فإنه ليس فى وسع أنفسنا أن تعقل الأشياء معا دفعة واحدة، ونوع آخر من التصور، وهو مثل ما يكون عندك فى مسألة تسئل عنها مما علمته أو مما هو قريب من أن تعلمه، فحضرك جوابها فى الوقت، وأنت متيقن بأنك تجيب عنها مما علمته من غير أن يكون هناك تفصيل البتة، بل إنما تأخذ فى التفصيل والترتيب فى نفسك مع أخذك فى الجواب الصادر عن يقين منك بالعلم به قبل التفصيل والترتيب،
Halaman 242