Sajak dan Pemikiran: Kajian dalam Sastera dan Falsafah
شعر وفكر: دراسات في الأدب والفلسفة
Genre-genre
حتى إذا وصلنا أخيرا إلى الشعر الحديث وجدناه رد فعل مضاد للرومانطيقية. ولقد كان من نتائج النزعة الحديثة للتجرد من الرومانطيقية والعواطف البشرية تأكيد انفصال الشعر عن الفلسفة. إن القصيدة - حسب تعبير الشاعر إرشيبالد ماكليش - لا ينبغي عليها أن تعني شيئا، وإنما ينبغي عليها أن تكون. وعلى الشاعر نتيجة لذلك أن يتخلى عن دور الرائي أو المتنبئ ليصبح صانعا. وجاء النقاد - خصوصا ريتشاردز - فعززوا طلاق الشعر من الفلسفة، وأكدوا أن الشعر صياغة للمشاعر والمواقف الوجدانية وتعبير عنها (ريتشاردز في كتابه عن النقد العملي 1929م). ثم تدخل بعض الفلاسفة - وبخاصة أصحاب التجريبية أو الوضعية المنطقية - فزعموا أن العبارات الشعرية والأخلاقية ليست إلا أشباه عبارات لا تحتمل الصدق ولا الكذب، وإنما تدل على مواقف ومشاعر وجدانية. ومع ذلك فإن بعض الدراسات الحديثة في علم الدلالة قد بدأت تصحح هذا الموقف العدائي من الشعر، وتقرب بين المعنى والوجود، والفكرة، والعاطفة، وتحاول تفهم الدور الذي يؤديه المعنى والاعتقاد في الشعر، وتبين أن من الخطأ وصف التعبير الشعري بأنه شبه تعبير؛ لأن الأجدر به أن يسمى تعبيرا عميقا ينطلق من عبارات عميقة ثرية بالمعاني والدلالات والمفارقات، مختلفة تمام الاختلاف عن العبارات أو القضايا العلمية والمنطقية المحددة المعاني والإشارات.
تتعدد مواقف الشعراء الفلسفية أو الفكرية من الكون والإنسان، من الحياة والموت، من الزمان والتاريخ والتراث، من المكان والمدينة والمجتمع. كل هذه المواقف التي يمكن أن تتفاوت عند الشاعر الواحد من مرحلة من العمر إلى مرحلة، ومن قصيدة إلى قصيدة، بل ربما تفاوتت في القصيدة الواحدة، يمكن أن تلقي شيئا من الضوء على فلسفته أو وجهة نظره. وسوف نقتصر على مشكلة فلسفية واحدة تكثر الكتابة والحديث عنها في الغرب والشرق على السواء، ألا وهي مشكلة الغربة أو الاغتراب.
ونعود فنذكر بعبارة هيدجر السابقة «إن أحب الأحباب - أي الشعر والفكر - يسكنون على قمة جبلين متباعدين، وإن كانا متجاورين.» محاولين النظر في هذه المشكلة الفلسفية. وسنكتفي بأمثلة قليلة من شاعر كلاسيكي مغترب هو «فريدريش هلدرلين» لنرى كيف «فلسفة» هيدجر، ثم ننظر في أمثلة أخرى قليلة من شعرنا العربي الحديث تبين أصداء هذه المشكلة، واستجابة الوجدان العربي لها.
ولكلمة
Alienation
في اللغات الأجنبية منذ أصلها اللاتيني تاريخ طويل يصعب أن نتتبعه في هذا المقام، ويكفي أن نقول إنها كانت تدل على معان متعددة كالبيع، والتنازل للغير، وانتقال الملكية من شخص إلى آخر، والانفصال والابتعاد، والضلال واختلال العقل. ثم استعملها أصحاب العقد الاجتماعي مثل هوبز وروسو للدلالة على تنازل الأفراد عن حقوقهم وحريتهم سواء للحاكم أو للجماعة كشرط للعقد الاجتماعي. ولم تأخذ الكلمة معناها الفلسفي الحقيقي إلا منذ هيجل واليسار الهيجلي - فويرباخ وماركس - حتى الفلسفة المعاصرة.
وللاغتراب عند هيجل صور ومظاهر عديدة يتخذها الروح المطلق على طريق تحقيقه لذاته أو وعيه لذاته؛ إذ تتخارج هذه الروح المطلقة أو يغترب عن ذاتها في الطبيعة والتاريخ والوعي، وفيما ينشئه الإنسان من علوم وحضارات. وهو عند فويرباخ إفقار لمعنى الإنسان لإغناء معنى الألوهية؛ إذ يغترب الإنسان عن ذاته (في المسيحية واليهودية) عندما يتخلى من جوهره ليسقطه على موجود أسمى مفارق تحرر في تصوره من حدود البشرية وقيودها، وأصبح موضوعا يجله ويعبده، وكأنه مستقل عنه. ولهذا يجب عليه أن يسترد حقيقته التي خلعها على الله، ويتحول من الإيمان بالله إلى الإيمان بالإنسان والإنسانية التي هي الديانة الحقة. وأخيرا نجد ماركس - خصوصا في المخطوطات الاقتصادية الفلسفية لسنة 1844م - يطبق فكرة الاغتراب في مجال العمل والإنتاج، ويبين كيف يكتسب المنتج قوة مستقلة تجاه العامل الذي أنتجه، ويصبح سبب شقائه واستغلاله من قبل صاحب العمل، أي سبب اغترابه عن ذاتيته وحريته وإنسانيته، بدلا من أن يؤدي إلى تحرره وإشباع حاجاته وتحقيق إنسانيته. ولا سبيل لرفع هذا الاغتراب إلا بإلغاء الملكية الخاصة والثورة على المجتمع الرأسمالي، وإنهاء الصراع الطبقي بين المستغلين والمستغلين.
وتتعدد مفاهيم الاغتراب ومظاهره مع التطور التاريخي والعلمي والآلي كما تتعدد محاولات قهره والتغلب عليه. ويمكننا على كل حال أن نحدده في هذه الصور والأشكال المتداخلة: اغتراب الإنسان عن العالم والكون، وهو اغتراب ميتافيزيقي أو اغتراب أساسي ملازم لوعيه بوجوده وتناهيه، واغترابه عن الجماعة التي ينتمي إليها بما لها من ماض وقيم وتقاليد، ثم اغترابه عن ذاته، ولعله أن يكون أخطر هذه الأشكال الثلاثة وأهمها، سواء بالنسبة للشاعر أو الفيلسوف أو عالم النفس.
وشاعرنا الذي اغترب عن ذاته ومجتمعه وعصره وراح يتغنى بأناشيد الحنين إلى «ديوتيما» رمز حبه الضائع، واشتياقه لبعث الروح اليونانية في شعبه ووطنه ووجوده، بحيث يصبح هذا الوجود شعريا ومسكنا للشعر، هذا الشاعر الذي اغترب كذلك عن ذاته وعقله ما يقرب من نصف حياته هو فريدريش هلدرلين (1770-1843م) الذي درسه فيلسوف الوجود الأكبر في عصرنا مارتن هيدجر (1889-1976م)، وسماه شاعر الشعر، واستخلص من شعره الغامض الموحي ماهية الشعر نفسه، كما قرأ فيه فلسفته هو عن الوجود.
ولكن هل يكشف شعر هلدرلين عن حقيقة الوجود؟
Halaman tidak diketahui