Syarh al-Maqasid
شرح المقاصد في علم الكلام
Penerbit
دار المعارف النعمانية
Nombor Edisi
الأولى
Tahun Penerbitan
1401هـ - 1981م
Lokasi Penerbit
باكستان
Genre-genre
والثالث فيما يتعلق بإدراكاتها الكائنة حالة اليقظة فالأول مثل المعجزات والكرامات من الأنبياء والأولياء والإصابة بالعين ممن له تلك الخاصية بلا اختياره ومثل السحر والعزائم ونحو ذلك مما يكون بمزاولة أفعال وأعمال مخصوصة وذلك لأن للنفس تأثيرا في البدن كما للجواهر العالية المجردة في عالم الكون والفساد وليس اقتصار تأثيرها على بدنها لانطباعها فيه بل لعلاقة عشقية بينهما فلا يبعد أن يكون لبعض النفوس قوة بها تقوى على التأثير في بدن آخر بل في حيوان آخر بل في أجسام أخر حتى تصير بمنزلة نفس ما للعالم أو لبعض الأجسام لا سيما الأجسام التي يحصل لها أولوية بها لمناسبتها لبدنها بوجه خاص فلا يبعد أن تحيل الهواء إلى الغيم فتحدث مطرا بقدر الحاجة أو أزيد كالطوفان وأن تفعل تحريكا وتسكينا وتكثيفا وتخلخلا يتبعها سحب ورياح وصواعق وزلازل ونبوع مياه وعيون ونحو ذلك وكذا إهلاك مدن وإزالة أمراض ودفع مؤذيات وغيرها وربما تكون النفس شريفة قوية تطلب خيرا وتدعو الله تعالى فتستحق بهيئتها واستعدادها ترجيحا لوجود بعض الممكنات فيوجد وأمثال هذه إذا صدرت عن نفوس خيرة شريفة فإن كانت مقرونة بدعوى النبوة فمعجزات وإلا فكرامات وقد يكون في بعض النفوس خاصية تحدث فيما أعجبها أذى ظاهرا وهو الإصابة بالعين وقد تستعين النفوس في إحداث الغرائب بمزاولة أعمال مخصوصة وهي السحر أو بقوى بعض الروحانيات وهي العزائم أو بالأجرام الفلكية وهي دعوة الكواكب أو بتمزيج القوى السماوية بالأرضية وهي الطلسمات أو بالخواص العنصرية وهي النيرنجات أو بالنسب الرياضية وهي الحيل الهندسية وقد يتركب بعض هذه مع بعض كجر الأثقال ونقل المياه والآلات الرقاصة والزمارة ونحو ذلك مما يستعان عليها بمجموع الخواص العنصرية والنسب الرياضية قال وقالوا في إدراكاتها المتعلقة بالنوم إشارة إلى القسم الثاني وبيان ذلك أن النفس لاشتغالها بالتفكر فيما تورد عليها الحواس قلما تفرغ للاتصال بالجواهر الروحانية فعند ركود الحواس بسبب انخناس الروح الحاملة لقوة الحس عنها تتصل النفس بتلك الجواهر وينطبع فيها ما فيها من صور الأشياء سيما ما هو أليق بتلك النفس من أحوالها وأحوال ما يقرب منها من الأهل والولد والمال والبلد وتلك الصور قد تكون جزئية في نفسها وقد تكون كلية تحاكيها المتخيلة بصور جزئية ثم تنطبع في الخيال وتنتقل إلى الحس المشترك فتصير مشاهدة فإن كانت الصورة المشاهدة باقية على حالها بحيث لا تفاوت فيما جعلته المتخيلة جزئية إلا بالكلية والجزئية كانت الرؤيا غنية عن التعبير وإلا فإن كانت هناك مناسبة يمكن الوقوف عليها كما إذا صور المعنى بصورة لازمه أو ضده مثلا فهي رؤيا تعبر ومعنى التعبير هو التحليل بالعكس لفعل التخيل حتى ينتهي إلى ما شاهدته النفس عند الاتصال بعالم الغيب فإن المتخيلة لما فيها من غريزة المحاكاة والانتقال تترك ما أخذت وتورد شبهه أو ضده أو مناسبه وربما تبدل ذلك إلى آخر وآخر وهكذا إلى حين اليقظة فالمعبر ينظر في الحاضر أنه صورة لأية صورة وتلك لآية صورة أخرى إلى أن ينتهي إلى الصورة التي أدركتها النفس وإن لم يكن هناك مناسبة توقف عليه فتلك الرؤيا تعد من أضغاث الأحلام وقد يقع ذلك بأسباب أخر مثل أن تبقى صورة المحسوس في الخيال فتنتقل في النوم إلى الحس المتشترك ومثل إن تألف المفكرة صورة فتنتقل منها عند النوم إلى الخيال ثم منه إلى الحس المشترك ومثل أن يتغير مزاج الروح الحامل للقوة المتخيلة فتتغير أفعالها بحسب تلك التغيرات فمن غلب على مزاجه الصفراء حاكته بالأشياء الصفراء والدم فبالحمراء والسوداء فبالسوداء والبلغهم فبالجمد والثلج ( قال وقالوا فيما يتعلق باليقظة ) هذا هو القسم الثالث وهو غرائب تتعلق بالإدراكات حالة اليقظة وذلك أن النفس قد تكون كاملة القوة فنفى بالمتجازيين فلا يمنعها الاشتغال بتدبير البدن عن الاتصال بالمبادي أي المجردات العلوية المفارقة والمتخيلة أيضا تكون قوية بحيث تقدر على استخلاص الحس المشترك عن الحواس الظاهرة فلا يبعد ان يقع لمثل هذه النفس في اليقظة اتصال بالمبادي فينطبع فيها صور بعض المغيات مما كان أو ليكون ثم يفيض الأثر إلى المتخيلة ثم ينتقل إلى الحس المشترك فربما يكون ذلك بسماع صوت لذيذ أو هائل وربما يرد مكتوبا على لوح أو تخاطبا من إنسان أو ملك أو جني أو هاتف غيب أو نحو ذلك وقد يكون مشاهدة صور مالا حضور له عند الحس إلا لشرف النفس كمال قوته بل الفساد في الآلات التي يستعملها العقل كما في المرض والجنون أو لاستيلاء أمر يدهش الحس ويحير الخيال كالعدو بسرعة وكتأمل شيء شاف مرعش للبصر مدهش إياه لشفيفه كسواد وبراق أو لغلبة خوف أو ظن أو وهم تعين التخيل وقد يكون ذلك بالرياضات المضعفة للقوى العليقة للنفس عن اتصالها بالمبادي الجاذبة إياها إلى جانب السفليات إلى غير ذلك من الأسباب المؤثرة عند الفلاسفة والعادية عندنا والخالق هو الله تعالى قال ووقوع بعض الغرائب ذهب جمهور الفلاسفة إلى أنه ليست لغير الإنسان من الحيوانات نفوس مجردة مدركة للكليات وبعضهم إلى أنا لا نعرف وجود النفس لها لعدم الدليل ولا نقطع بالانتفاء لقيام الاحتمال وما يتوهم من أنه لو كانت لها نفوس لكانت إنسانا لأن حقيقته النفس والبدن لا غير ليس بشيء لجواز اختلاف النفسين بالحقيقة وجواز التميز لفصول أخر لا يطلع على حقيقتها وذهب جمع من أهل النظر إلى ثبوت ذلك تمسكا بالعقول والمنقول أما المعقول فهو أنا نشاهد منها أفعالا غريبة تدل على أن لها إدراكات كلية وتصورات عقلية كالنحل في بناء بيوته المسدسة والانقياد لرئيس والنمل في إعداد الذخيرة والإبل والبغل والخيل والحمار في الاهتداء إلى الطريق في الليالي المظلمة والفيل في غرائب أحوال نشاهد منه وكثير من الطيور والحشرات في علاج أمراض تعرض لها إلى غير ذلك من الحيل العجيبة التي يعجز عنها كثير من العقلاء وأما المنقول فكقوله تعالى
﴿والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه﴾
وقوله تعالى
﴿وأوحى ربك إلى النحل﴾
الآية وقوله تعالى
﴿يا جبال أوبي معه والطير﴾
وقوله تعالى حكاية عن الهدهد
﴿أحطت بما لم تحط به﴾
الآية وحكاية عن النملة
﴿يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم﴾
الآية ( قال الفصل الثاني في العقل ) احتجت الفلاسفة على ثبوته بوجوه
أحدها أن المعلول الأول يجب أن يكون جوهرا مفارقا في ذاته وفعله وهو المراد بالعقل أما الجوهرية فلأن العرض لا يمكن بدون المحل فالمحل إما معلول للعلة الأولى أعني الواجب فيلزم صدور الكثير أعني العرض والمحل من الواحد الحقيقي وأما للعرض فيلزم تقدم الشيء على نفسه وأما المفارقة فلأنه لو كان جسما وهو مركب من المادة والصورة لزم المحال المذكور وإن كان مادة أو صورة وكل منهما لا يوجد بدون الآخر فلزم فاعلية أحدهما للآخر مح أما المادة فلأن شأنها القبول دون الفعل وأما الصورة فلأنها إنما تفعل بمشاركة المادة فيلزم تقدمها على نفسها وإن كانت نفسا أي مفارقا في ذاته لا فعله فالبدن الذي هو شرط الفاعلية إما معلول للواجب فيلزم الكثرة أو للنفس فيلزم تقدمه على نفسه فصار الحاصل أن لنا أمر أصح وجوده عن العلة الأولى وإيجاده للمعلول الثاني وما ذاك إلا العقل لأن الجسم لما فيه من الكثرة لا يصلح معلولا للعلة الأولى وغيره لا يصلح علة للمعلول الثاني لأن ما يصلح منه للعلية يفتقر في عليته إلى أمر خارج عن ذاته فإن كان معلولا له لزم تقدم الشيء على نفسه وإن كان معلولا للعلة الأولى لزم صدور الكثرة عنها
Halaman 49