مِثْلَ هذا لا يُهْتَدَى فيه إلَّا بتوقيفٍ، فتحمل فَتْوَاهُ على سَمَاعٍ، وقاسوا فِي الرُّخَصِ سائِرَ النجاسَاتِ على مقدار مَحَلِّ النَّجْو رخصةً إِلَى غيرِ ذلك، والله أعلم.
اعْلَمْ: أنَّ نصْبَ الوصف سَبَبًا حُكْم شرعيٌّ طريقه أدلة الشرع؛ وهي النَّقْلُ والإجْمَاعُ والاسْتِنْبَاطُ وتفصيلُهَا فِي المَشْهُورِ تسعَةٌ: الإِجماعُ، والنَّصُّ الذي لا يحتملُ التأْويلَ، والظَّاهرُ، والإِيماءُ، والتنقيحُ، والتخريجُ، ونَفْيُ الفارِقِ، والسَّبْرُ والتَّقْسِيمُ، والشَّبَهُ، والدَّوران، وقد اختلفوا فِي معنَى حُكْمِ المشتَبِهِ، فقيل: يرجع إِلَى خطابِ التكليفِ، وهو أمر المجتهدِ بإثْبَاتِ الْحُكْمِ فِي مَجْرَى الوَصْفِ، وقيل: يَرْجِعُ إِلَى خِطَاب الأَخْبَارِ، والحَقُّ: أنَّه إنشاءُ وضعٍ بخطابِ الأَخْبَارِ، وليس مِنْ خطابِ التكْلِيفِ؛ لتعلُّقه بَأفعالِ الصِّبْيَانِ والمجانِينِ والجمادِ، وليس هو مَحْضَ إِخبارٍ؛ لأن الإِخبارَ عن سببيَّة الوصْفِ مشروطٌ بكونه سبَبًا فيما إذا ثَبَتَتْ سَبَبِيّتُهُ بهذا الخطاب؛ فيكونَ دَوْرًا؛ فإنَّه لا يكون سببًا حتَّى يخبر عن سببيته، ولا يصدق الخبر عن كونه سببًا حتَّى يكَون سببًا - أَوْ بغيره؛ فينتقلَ الكلام إلَيه، ويتسلْسَلُ.
إذا تقرر هذا فنقول: إِنَّ مِنْ مَسَالِكِ التعْلِيلِ الإِجْمَاع: كإِجماعهم على تعليلِ ولايةِ الصَّغِيرِ لِصِغَرِهِ، وهو مقدَّم فِي العمل به على النَّصِّ؛ لأنه لا يحتملُ النَّسْخَ.
الثالثُ: الظَّاهِرُ، وقولُ المُصَنِّف: "الأَوَّلُ: التنصيصُ" يريدُ به المنقولَ، سَوَاءٌ كان نَصًّا أو ظاهرًا، ولا خلافَ فِي تقْدِيمِ الإجماعِ عَلَيهِمَا.