Pedang dan Api di Sudan
السيف والنار في السودان
Genre-genre
وبالفعل قرر القضاة إدانة الخليفة شريف وأصدروا الأوامر بالقبض عليه.
وفي اليوم التالي ذهب الضباط لتنفيذ هذا الأمر في منزله الواقع بين منزل عبد الله وقبة المهدي، وهناك أبلغوه الأمر ونصحوا إليه بأن يطيع أوامرهم ولا يظهر أي مقاومة. وفي الحال أصبح تحت تصرف الضباط الذين كان يرأسهم عرابي ضيف الله، ولما طلب إليهم أن يسمحوا له بلبس حذائه رفضوا، ثم ساقوه بكل عنف وشدة، لدرجة أنه وقع على الأرض مرتين، ثم وصلوا إلى السجن، وهناك وضعوا فيه القيود الحديدية، ومنعوا أيا كان من الاتصال به، وجعلوا الأرض العارية مقعدا له والسماء غطاء.
وقد أرسلوا أبناء المهدي إلى جدهم «أحمد شوقي»، وأمروه بأن يبقيهم عنده محبوسين لا يتصل بهم أحد - وقد كان جدهم يطيع الخليفة طاعة عمياء؛ خوفا على ثروة طائلة اقتناها من أن يصادروها منه - فنفذ الأوامر الصادرة إليه كما صدرت.
وقد مرت بي بعد ذلك ساعات دقيقة للغاية؛ فقد أرسل يونس رجلا من دنقلة إلى الخليفة ومعه معلومات مهمة من الحكومة المصرية، وقد قابله الخليفة بنفسه بحضور جميع القضاة، وقد داخلني الشك في أن ما يدور عليه الحديث هو بخصوصي، وقد حاولت استطلاع حقيقة الأمر من أحد القضاة - وكان صديقي - إلا أنه أجابني بألا أجعل للأمر أهمية عظمى. وبعد الصلاة اجتمع القضاة والرسول بالخليفة مرة ثانية، ولم تمض غير برهة حتى رأينا الرسول قد كبلت يداه بالحديد وأرسل إلى السجن، ولقد اندهشنا عندما رأينا ذلك المنظر.
وفي اليوم التالي لما ذهبت إلى منزلي لبرهة قصيرة طلبني الخليفة إلى حضرته، فتوجهت حيث كان مجتمعا ببعض القضاة. وبناء على أمره أخذت مكاني بينهم، ثم ابتدأ يقول وقد وجه نظره إلى قضاته: «ولطالما نصحته بأن يكون مخلصا لي، وإني دائما أعامله معاملة الأب لابنه، وما كنت أصدق ما يصل إلي من الوشايات بخصوصه، ولطالما عفوت عنه.» أخذ يقول كل ذلك عني لقضاته، ثم التفت إلي قائلا: «إن المثل العربي يقول «لا يوجد الدخان إذا لم توجد النار»، وأنت يحوم حولك دخان كثير. وقد قال الرسول أمس إنك جاسوس الحكومة، وإن مرتبك يدفع شهريا إلى مندوبك في القاهرة؛ حيث يرسله إليك هنا، وهو يوقن بأنه رأى توقيعك في ديوان الحكومة هناك، وأنت الذي مهدت إلى يوسف القسيس الهروب. وقد قال أيضا إنك تعمل لتسهيل الاستيلاء على أم درمان بواسطة الإنجليز، وإنك ستشعل النار في مخزن البارود الموجود بقرب منزلك حينما يبدءون بالزحف، فماذا تقول دفاعا عن نفسك؟»
فأجبته: «مولاي! إن الله لا يظلم أحدا، وأنت رجل الحق والعدل، وإني أقول بأني لم أكن قط جاسوسا ولا صلة لي بالمرة مع الحكومة المصرية، وإني لم أستلم قط نقودا هنا، وإن ضباطك لعلى يقين من أنني في أشد حالات البؤس والشقاء، وإن احترامي الشديد لشخصك هو الذي يمنعني من أن أطلب إليك مساعدتي. وبما أنه روى لمولاي بأنه اطلع على إمضائي هناك، فإني أتهمه بالكذب، وأنا موقن بأنه لا يعرف لغة أجنبية. وإذا أردت يا سيدي أن أكتب على قطعة ورق عدة إمضاءات ثم نعرضها عليه ليستخلص منها إمضائي التي يقول عليها بأنه رآها هناك بالقاهرة لفعلت، وهنا يتضح لك جليا إن كان حقيقة يعرف اللغات الأجنبية أو لا يعرفها. وأنت تعرف يا مولاي أن يوسف القسيس هرب في وقت ما كان في استطاعتي الاتصال به، ولو كان لي اتصال بهؤلاء الذين يمهدون الهرب فلم لا أمهده لنفسي؟ ومن السهل جدا على الإنجليز أن يعلموا أن منزلي بجوار مخزن البارود؛ لأن الرجل الذي جاءني بالخطابات التي بعث بها إلى إخواني رأى منزلي، فلربما يكون هو الذي حدثهم بذلك.
ومن الجائز أن أقاربي الذين قطعت كل صلاتي بهم، بناء على أمر مولاي، يسألون عني وعن مرتبي في دواوين الحكومة المصرية، ظنا منهم أن السودان لا يزال جزءا من مصر، أو يسألون التجار الذين يفدون منه إلى القطر المصري، وبطبيعة الحال يعلم هؤلاء التجار جيدا موضع منزلي بالنسبة لمخزن البارود. وإني لموقن بأن الحكومة المصرية لا تفكر مطلقا في الكر عليك وأنت هذا الخليفة القوي البطش. وإذا سلمنا جدلا بأن الحكومة تفكر في هذا الغزو، فمن أين جاءني التأكيد بأنني سأبقى في مركزي وأتمكن من تنفيذ الخطة التي يقول عنها؟ هذا فضلا عن أني، كما تعلم مولاي، كنت الخادم ولا زلت الأمين المخلص، وإني أتمنى بأن أكون دائما في طليعة جيوشك الغازية لنصرتك على أعدائك.
إني يا سيدي بعد كل هذا الإيضاح الذي أوضحته لا أعتمد إلا على أنك لا تظلم أحدا.»
ثم قلت: «وهل يحق لك أن تضحي بمخلص أمين لك من أجل وشاية «دنقلاوي»؟» فبادرني بقوله: «من أين علمت بأنه «دنقلاوي»؟» فقلت له: «منذ مدة رأيت هذا الرجل ببابك مع عبد الرحمن واد النجومي الشاهد، ونظرا لسخافته وإلحاحه طردته بالقوة، فهو يريد لنفسه الآن الانتقام، فأنت يا مولاي - وقد منحك الله العدل والإنصاف - ستحكم لي بطبيعة الحال بالبراءة.»
فقال لي: «ما طلبتك هنا للمحاكمة ولا شككت لحظة في إخلاصك، ولو كان الأمر فيه شيء يشينك ما كنت أمرت بسجنه، وإني لعلى يقين من أن أعداءك كثيرون، وهم يحاولون دائما الإيقاع بك؛ لأنهم يغارون من وجودك بقربي، ولكن يجب عليك أن تحاذر، واعتقد دائما أبدا في المثل القائل: «لا يوجد الدخان إلا حيث توجد النار».»
Halaman tidak diketahui