Pedang dan Api di Sudan
السيف والنار في السودان
Genre-genre
وقد كنت تسمع في ساحة السوق، حيث يجلس النساء لبيع سلعهن، نداء الاستغاثة في كل لحظة من هؤلاء الذين أخذوا على عاتقهم السلب والنهب.
وكانت الساحة الواقعة بين بيت الخليفة وبيت يعقوب تزدحم كل ليلة بالذين يصرخون مطالبين بالخبز، وكان بعضهم يتبعني عند ذهابي إلى منزلي محاولين اقتحامه، وفي ذلك الوقت ما كنت أمتلك من القوت إلا ما أسد به رمقي ورمق حاشيتي وأصدقائي الذين معي.
وفي ذات ليلة - وكان القمر بدرا - بينما كنت راجعا إلى منزلي حوالي الساعة الثانية عشرة ليلا، شاهدت بالقرب من بيت الأمانة - مخزن السلاح - شيئا يتحرك على الأرض، فتوجهت شطره لأرى ما هناك، ووقفت أرقب منظرا بشعا تقشعر منه الأبدان؛ رأيت ثلاث نساء عاريات مسدلات شعورهن الطويلة على أكتافهن، يتهافتن على أكل جحش صغير يخيل لي أنهن خطفنه من أمه، وقد رأيتهن يقطعن من لحمه بأسنانهن ويأكلن منه، وكان هذا الحيوان المسكين لا يزال على قيد الحياة، فهجم عليهن الذين كانوا يتبعونني واختطفوا الفريسة منهن، وحينئذ تركت هذا المنظر فارا إلى داري!
وفي يوم آخر رأيت امرأة يظهر لي أنها كانت في يوم من الأيام جميلة، رأيتها ملقاة على الأرض وبجانبها طفلها الذي قد لا يتجاوز من العمر عاما وهو يحاول الرضاعة، ولكنه كان يحاولها من أم أصبحت للأسف جثة هامدة! وبقي يتأوه ويتألم على ذلك الحال حتى مرت عليه امرأة أخرى فأخذته.
وفي ذات يوم مرت بداري سيدة ومعها بنتها الوحيدة، وكانت هذه المرأة على ما يظهر لي من قبيلة «الجالان»، تلك القبيلة التي يمكنني أن أقول إنها أحسن القبائل حالا، جاءت هذه السيدة وبنتها على شفا حفرة من الموت تطلب مني مساعدتهما، فجدت إليها بكل ما أمكنني أن أجود به، وبعد ذلك عرضت علي أن تسلمني بنتها وتتركها لي رقيقة لأحميها من الموت جوعا، وكانت تتلفظ بهذا القول ودموعها تنهمر من عيونها، فطلبت إليها مغادرتي ومعها بنتها وأعطيتها كل ما كان في وسعي أن أعطيه.
ووجدت امرأة أخرى تأكل طفلها! فساقوها إلى مركز البوليس لتأخذ جزاء ما فعلت، ولكنها ماتت بعد يومين.
وكان الناس يبيعون أولادهم ذكورا وإناثا لا لغرض الحصول على أثمانهم؛ بل لحفظ حياتهم عند من يقدر على تموينهم، وبعد أن انقضت تلك السنة استردوهم بأثمان عالية.
وكانت جثث الموتى في الشوارع لا تحصى ولا يوجد من يحملها، وأصدر الخليفة أمره مكلفا كل شخص بأن يحمل الجثث التي توجد أمام داره ليواريها بالتراب، ومن لم يفعل تصادر أملاكه.
وكان لذلك بعض التأثير، إلا أن أصحاب المنازل كانوا يزيحون ما أمام منازلهم إلى قرب منازل جيرانهم؛ تخلصا من العقاب، فتسبب من ذلك وقوع المشاكل والمضاربات بين الناس. وكنت ترى الجثث طافية في النيل آتية من البلاد الواقعة على ضفتيه وعددها لا يحصى.
وكان جل الذين ماتوا في أم درمان من الذين وفدوا عليها من الخارج لا من سكانها الأصليين؛ إذ إن هؤلاء كانوا قد خزنوا ما وقعت عليه أيديهم من غلال، وكانت كل قبيلة تساعد جارتها إذا احتاجت.
Halaman tidak diketahui