وانقضى اليوم بسلام، ونسيا أو تناسيا خطاب «الوعظ» بعد ما كان من عبث التحية الأولى، ونزلت سارة وهي مستريحة مستبشرة خفيفة القلب والطوية لا يبدو عليها أثر من التكلف والرياء، ومن دأب المرأة إذا انتعشت حواسها أن تخف وتنشط ولا يثقل على ضميرها عبء من الأعباء، وهذا الذي يلوح للرجل في صورة البراءة فينخدع، أو هذا الذي يسمونه أحيانا بعمق المرأة وقدرتها على إجادة الرياء وإخفاء ما في الطوية، وإنما هي خفتها كالطفل الذي تأخذه حماسة اللعب فلا تحضره الشواغل ولا تثقله الدخائل، وقد ود «همام» لو يستطيع أن يخلط بين هذه الخفة وخفة البراءة، وما هو بمستطيع، فليرجع إلى الرقابة فهي مرجع الإنصاف ومقطع الخلاف، وفيها وحدها تسويم لتلك المتعة بكنوز الأرض وذخائر البحار، أو بدرهم لا يندم عليه ملقيه في التراب.
وكيف الرقابة؟
صحت النية على الرقابة فلا مناص منها.
وبقي أمر الرقيب والعثور عليه.
فمن يكون هذا الرقيب؟
لم يشرع همام في بحث هذه المسألة حتى وضح له أنها مشكلة كثيرة الشعاب.
فخطر له في بداية الأمر أن يستعين برجل يؤدي هذه المهمة وينقده على ذلك أجرا يرضيه.
ثم قلب الأمر على وجوهه فرأى أن هذا الرجل المستأجر يحتاج إلى رقيب عليه لضمان إخلاصه وجده وحسن التبصر في عمله، فإذا بغير رقيب فأغلب الظن أنه يأتي في آخر كل نهار ومعه كشف طويل عريض بأجور السيارات والجلوس على القهوات ورشوة الخدم والبوابين، ولا فائدة من جميع ذلك غير التضليل والمراوغة والتشويق لاستطالة الرقابة واغتنام الأجور.
ثم تنقضي الأيام وهو لم يعرف شيئا ولا أعان على معرفة شيء.
وهبه عرف بعض الحقيقة أو عرف الحقيقة كلها، فهذا أخطر وأخسر ... لأنه يستغل معرفته كلما احتاج إلى المال لابتزاز الإتاوات والإنذار بكشف الأسرار، فيوما يهدد السيدة ويوما يهدد السيد ويوما يقارب الأقرباء والأولياء ويلوح لهم بما وراء الغطاء، ولعله يختصر الطريق من أوله فيطلع السيدة على مهمته ويفسد الأمر فسادا لا صلاح بعده.
Halaman tidak diketahui