في الوقت المناسب، ضم المجتمع التكافلي من النجوم والأنظمة الكوكبية المجرة بأكملها. غير أنه كان مجتمعا جريحا في بداية الأمر، وصارت المجرة مسلوبة الخصوبة إلى الأبد. لم يتبق من ملايين الملايين من النجوم الموجودة فيها، سوى قلة فقط هي التي لا تزال في أوجها. صارت جميع الشموس الممكنة مطوقة بالكواكب. وحفزت العديد من النجوم الميتة على تفكيك ذراتها لبناء شموس اصطناعية. واستخدم العديد غيرها على نحو أكثر اقتصادية. وتمت تربية سلالات خاصة من الكائنات الذكية أو صنعت لكي تسكن أسطح هذه العوالم العظيمة. وبعد فترة قصيرة، صارت النجوم التي انفجرت من قبل تعج بشعوب تنتمي إلى عدد لا يحصى من الأنواع والتي قد أنشأت حضارة صارمة. عاشت هذه الشعوب على طاقة البراكين الموجودة في عوالمها الضخمة. راحت الكائنات الدقيقة المصممة بالطرق الاصطناعية، والشبيهة بالديدان تزحف بدأب على السهول حيث لم تكن الجاذبية الشديدة تسمح حتى لحجر بأن يرتفع عن المستوى العام. لقد كانت الجاذبية عنيفة للغاية بالتأكيد، حتى إن الأجساد الصغيرة لهذه الديدان كان من الممكن أن تتمزق عند سقوطها لمسافة نصف بوصة فحسب. وفيما عدا الإضاءة الاصطناعية، عاش سكان العوالم النجمية في ظلام أبدي لا يخفف منه سوى ضوء النجوم، ووهج الثورانات البركانية والوميض الفسفوري المنبعث من أجسادها. قادتها حفاراتها تحت الأرضية إلى مراكز البناء الضوئي الشاسعة التي حولت الطاقة الحبيسة داخل النجوم إلى استخدامات الحياة والعقل. لم يكن الذكاء في هذه العوالم الضخمة خاصية الأفراد المنفصلين بالتأكيد، بل خاصية الحشود العاقلة. وكما هي الحال لدى السلالة الحشرية، حين كانت هذه الكائنات الضئيلة تنفصل عن الحشد، تصبح حيوانات غريزية فحسب، لا تدفعها سوى رغبتها العارمة في العودة إلى الحشد.
لم تكن الحاجة إلى إعمار النجوم الميتة بالسكان لتنشأ لولا أن الحرب قد قلصت على نحو خطير من عدد الكواكب العاقلة وعدد الشموس التي يمكن أن تضم أنظمة كوكبية جديدة إلى الحد الأدنى اللازم لتوفير حياة مشتركة بكامل تنوعها. لقد كان اتحاد العوالم وحدة منظمة بدقة كان لكل عنصر فيها وظيفته الخاصة، ولما لم يكن من الممكن إعادة العوالم المفقودة، فقد كان من الضروري إنتاج عوالم جديدة لتعيض عنها في تأدية الوظائف، وإن كان ذلك بدرجة تقريبية على الأقل.
وتدريجيا تغلب المجتمع التكافلي على الصعوبات الضخمة التي واجهها في إعادة التنظيم وبدأ يوجه انتباهه إلى السعي نحو تلك الغاية التي هي الغاية النهائية لجميع العقول اليقظة، وهي الهدف الذي تناصره حتما وبكل سرور لأنه كامن في طبيعتها الجوهرية. ومنذ ذلك الوقت، منح المجتمع التكافلي كامل انتباهه وأفضله إلى تحقيق أعلى درجة من يقظة الروح.
غير أن هذه الغاية التي كانت الصحبة الملائكية من النجوم واتحاد العوالم الطموح يأملان في تحقيقها في الماضي على مستوى الكون بأكمله لا على مستوى المجرة فحسب، قد بدأت تقل أهميتها. لقد أدركت النجوم والعوالم أن الحشد الكوني من المجرات يقترب من نهايته، لا المجرة الأم لهما وحدها. إن الطاقة الفيزيائية التي كانت ترى من قبل على أنها مخزون لا ينضب، صار توفرها يقل للحفاظ على الحياة. لقد كانت على نحو متزايد توزع نفسها بالتساوي على الكون بأكمله. ولم تتمكن الكائنات العاقلة من كبح نقصانها إلا بين الحين والآخر وبصعوبة. وسرعان ما سيتحول الكون إلى الشيخوخة الفيزيائية؛ لذا كان لا بد من التخلي عن جميع الخطط الطموحة. لم يعد أمر السفر المادي بين المجرات مطروحا؛ فتلك المشروعات سوف تستهلك الكثير من القدر الضئيل الذي تبقى من الثروة بعد إسراف الدهور السابقة. تخلت العوالم أيضا عن التنقل غير الضروري داخل المجرة نفسها. وظلت العوالم على مقربة من شموسها، وراحت الشموس تبرد على نحو مستمر، وكلما زادت برودتها، قلصت العوالم التي تدور حولها من مداراتها للحصول على الدفء.
وبالرغم من الفقر الفيزيائي للمجرة، فقد كانت طوباوية من نواحي عدة. كان المجتمع التكافلي المؤلف من النجوم والعوالم يعيش في تناغم مثالي. صار الصراع بين النوعين ذكرى من الماضي البعيد، وأصبح ولاؤهما بالكامل للهدف المشترك. لقد عاشا حياتهما الخاصة في تعاون حيوي وخلافات ودية ومنفعة متبادلة. وقام كل بدوره في استكشاف الكون وفهمه وفقا لقدراته. كانت النجوم الآن تحتضر بسرعة أكبر مما كانت تفعل من قبل؛ إذ أصبح الجمع الكبير من النجوم الناضجة حشدا من الأقزام البيضاء العجز. وعند موتها، كانت تهب أجسادها لخدمة المجتمع، لاستخدامها كمستودعات للطاقة دون الذرية، أو كشموس صناعية أو حتى عوالم مأهولة بالشعوب الذكية من الديدان. صارت العديد من الأنظمة الكوكبية تتمركز الآن حول شموس صناعية. كان هذا البديل كافيا من الناحية المادية، غير أن الكائنات التي صارت تعتمد ذهنيا على الشراكة مع نجم حي كانت تنظر إلى الشموس الصناعية التي هي أفران فحسب، بقنوط ويأس. ولما كانت الكواكب تتوقع تبدد النظام التكافلي على مستوى المجرة، فقد راحت تبذل كل ما في وسعها كي تستوعب الحكمة الملائكية للنجوم. بالرغم من ذلك، فبعد بضعة دهور فحسب، اضطرت الكواكب نفسها إلى أن تبدأ في تقليص عددها. لم يعد بإمكان العوالم الكثيرة أن تحتشد على مقربة كافية من شموسها الآخذة في البرودة. وسرعان ما ستبدأ القوة الذهنية للمجرة في الذبول لا محالة، بعد أن كانت قد تمكنت حتى الآن من الحفاظ على وجودها في أعلى المستويات.
غير أن مزاج المجرة لم يكن حزينا، بل مبتهجا. كان التكافل قد حسن من فن التبادل التخاطري بدرجة كبيرة، وأخيرا صارت أنواع الروح المتعددة التي تؤلف مجتمع المجرة ترتبط ارتباطا وثيقا في الرؤية المشتركة؛ فانبثق من تنوعها المتناغم عقل حقيقي للمجرة تفوق مستواه الذهني على عقل النجوم والعوالم بالدرجة التي تفوق بها عقل هذين النوعين على عقل الأفراد منهما.
أما عقل المجرة، والذي لم يكن سوى عقل كل فرد من النجوم والعوالم والكائنات الدقيقة التي تسكنها، والذي تمتع من كل هذا بالثراء واليقظة إلى مستوى أرقى من البصيرة، فقد رأى أن لم يتبق لديه سوى وقت قصير يعيشه. وإذ راح ينظر إلى الماضي ويراجع تاريخ المجرة عبر العصور، وعبر الآفاق الزمنية المكتظة بالشعوب المتعاونة المتنوعة، رأى أنه هو نفسه نتاج عدد لا يحصى من الصراعات والأحزان والآمال الخائبة. وقد واجه جميع الأرواح المعذبة في الماضي بابتسامة الرضا، لا بالشفقة ولا بالندم، فكان شعوره في ذلك شبيها بما قد يشعر به المرء تجاه محن طفولته. وقد قال داخل عقل كل فرد من أفراده: «إن شقاءها الذي بدا لها شرا عقيما هو الثمن الضئيل لمستقبلي الآتي. صائب وعذب وجميل هو الكيان الذي تحدث فيه هذه الأشياء؛ فأنا الفردوس الذي يجد فيه جميع أسلافي على اختلافهم الثواب، وتتحقق فيه رغبة قلوبهم. وفي الوقت القليل الذي يتبقى لي، سأسعى أنا وجميع رفاقي في الكون بأكمله لكي نتوج الكون بالرؤية المثالية البهيجة، ونسبح صانع المجرات والنجوم والعوالم بما يليق به من حمد.»
الفصل الثاني عشر
روح كونية ناقصة
حين تمكنت مجرتنا أخيرا من القيام باستكشاف تخاطري كامل لكون المجرات، اكتشفت أن حالة الحياة في الكون متداعية. عدد قليل فقط من المجرات هو الذي كان في شبابه، وكان معظمها قد تخطى أوجه منذ زمن بعيد. كان عدد النجوم الميتة المعتمة يفوق عدد النجوم الحية المضيئة بدرجة كبيرة في جميع أنحاء الكون. كان الصراع بين النجوم والعوالم في العديد من المجرات أشد فداحة مما كان عليه في مجرتنا؛ فلم يتحقق السلام إلا بعد أن تداعى كلا الجانبين بما يتجاوز الأمل في التعافي. بالرغم من ذلك، ففي معظم المجرات الأصغر سنا، لم يكن هذا الصراع قد ظهر بعد، وقد كانت هناك جهود تبذل بالفعل من جانب أكثر الأرواح المجرية يقظة من أجل أن تعرف المجتمعات النجمية والكوكبية الكثير عن بعضهما البعض قبل أن يندفعا إلى الصراع.
Halaman tidak diketahui