قال: «نعم. وكنت أود أني عرفته قبل قتله لأشبعه قتلا وأخبره وهو في حشرجة الموت أني قتلته في سبيل طاعتك انتقاما لفظاعته.»
وقص عليها عماد الدين مهمته لمصلحة صلاح الدين وما قاساه من العناء وكيف انتهت بالفوز وأصبح صلاح الدين في مأمن من الفدائيين، فلما سمعت اسم صلاح الدين أشرق وجهها وقالت: «بارك الله في صلاح الدين، إنه نادر المثال.» فضحك وقال: «ألم أقل ذلك في آخر ليلة رأيتك فيها وأنت ناقمة عليه؟»
قالت: «لم أكن أعرفه. وفي كل حال فإني أمتدح مروءته وعلو همته. وأما أنت فكنت تمتدحه في معرض آخر ... فهو في ذلك المعرض ما زال حكمي عليه كما كان، ولا سيما إذا قابلته بعماد الدين.»
وضحكت وكانت تتكلم وعيناها شاخصتان فيه تكاد تتلقفه بهما.
ثم جاء الخادمان وقد أعدا الركائب وشدا الأحمال، فركبوا جميعا وقد توسط الليل وأطل القمر من وراء جبل السماق. فتذكر عماد الدين صديقه عبد الرحيم وما أوصاه به، فلما أمعن في السهل أمر الرجلين أن يوقدا مشعالا مزدوجا ففعلا.
الفصل الحادي عشر
هناء الحبيبين
وسار الركب وبغلة سيدة الملك بجانب فرس عماد الدين وهما يقصان ما جرى لهما في تلك المدة الطويلة، والمحب إذا غاب عن حبيبه ساعة عاد ومعه عدة حكايات يرويها. وهو يرى في ذلك لذة خاصة لا يشعر بها غير المحبين. والغريب أن المحب لا يصبر على كتمان شيء عن حبيبه كأنه يرى في كتمانه خيانة، أو كأن قلبيهما يطلبان المكاشفة في كل شيء. فكما يتشاكيان ويتعاتبان. فهما أيضا يلذ لهما نقل ما في قلب الواحد إلى قلب الآخر من حب أو فكر أو حكاية أو حديث.
وفيما هم في ذلك وقد بعدوا عن جبل السماق سمعوا وقع حوافر جواد وراءهم وكان عماد الدين لا يفتر يترقب سماع ذلك التماسا لمجيء صديقه عبد الرحيم، وقد أصبح في شوق لرؤيته ليستطلع منه ما لمح إليه به وهما في الحصن.
فلما سمع وقع حوافر الفرس تباطأ في المسير ووقفت معه سيدة الملك. فأشار إليها أن تبقى سائرة والخادمان يتبعانها فمشت وتأخر هو لحظة فوجد صديقه عبد الرحيم يسوق فرسه كأن وراءه أناسا يطاردونه فناداه: «عبد الرحيم.» فأجابه: «عماد الدين؟» قال: «ما وراءك؟ أراك مسرعا هل عليك بأس؟»
Halaman tidak diketahui