أقاموا زمانا ثم بدد شملهم
أخو فتكات بالكرام اسمه الدهر
قلت: الأول أبلغ وأجمل في رأيي. قال: وفي رأيي أيضا، ولكن إليك رأيا آخر يقول بخلاف ذاك، وفتح الكتاب - وهو كتاب أدب وتاريخ للأستاذ محمد صبري معلم التاريخ الحديث بدار العلوم - فإذا به يقول: «من العجب حقا أن ينشر المرصفي للبارودي، وهو حي في ريعان الشباب نصا لقصائده أصح بكثير من النص الذي نشر بعد وفاته . على أننا من جهة أخرى قد أسعدنا الحظ بالوقوع على نصين مختلفين لقصائد أو أبيات معدودة، لا نشك أن الثاني منها الذي ظهر في ديوانه هو في الحقيقة النص الأول الذي أصلحه البارودي وصقله بعد إعمال الروية فيه، ونقده نقد الصيرفي الحاذق ... جاء في القصيدة التي يجاري بها أبا فراس:
أقاموا زمانا ثم بدد شملهم
ملول من الأيام شيمته الغدر
وقد روى صاحب الوسيلة البيت على الصورة الآتية:
أقاموا زمانا ثم بدد شملهم
أخو فتكات بالكرام اسمه الدهر
فانظر إلى الفرق بين الصياغتين، وتأمل كيف كان البيت في أول الأمر كالطائر الذي كسر أحد جناحيه فتعسر عليه النهوض، حتى جاء الشاعر وبدل الشطر الثاني بشطر آخر يتلاءم مع الأول معنى ومبنى، فإن قوله ملول من الأيام بعد «ثم بدد شملهم» من أضعف التراكيب وأخسها بخلاف «أخو فتكات بالكرام» فإن هذا التركيب جمع بين الجزالة والرقة اللتين بلغتا منتهاهما في آخر البيت حين فسر شاعرنا الكناية بقوله اسمه الدهر. أضف إلى ذلك أن حزن الشاعر يتجلى في الشطر الأخير على أولئك النفر الغر الذين بدد الزمان شملهم، وهذا أتم للمعنى وأوفى وأكثر اتصالا بما جاء بعد ذلك.»
وألاحظ أولا أن قافية «الدهر» وردت في هذه القصيدة قبل خمسة أبيات حيث يقول البارودي في بيته المشهور:
Halaman tidak diketahui