جاء في النطق الشاهاني كما دعته الصحافة، أو خطاب العرش كما يدعى عند الإنكليز، أو خطاب الحاكم والوزراء كما هي الحقيقة أن السبب في فض مجلس النواب الأول هو أن الأمة العثمانية لم تكن إذ ذاك أهلا لحكومة نيابية، وهو عذر سياسي لا عذر حقيقي. وإن روح مجلسنا الأول لتتميز غيظا لدى استماعها هذا الكلام، وكأننا بها تقول: الكذب محذور في الدين ولكنه مباح في السياسية.
وكيف لا تكون الأمة أهلا لحكومة نيابية ومفاوضات المجلس في ذاك الحين أدهشت حتى الأوروبيين! فضلا عن أن الحاكم بأمره يستطيع أن يفسد ويستبد، بل الحاكم المطلق العادل الحاكم المحب رعيته العامل لخير أمته يستطيع أن يقلب حكومته الاستبدادية إلى حكومة نيابية في ليلة واحدة إذا شاءت جلالته، ولا ينجم عن مثل هذا الانقلاب السريع ما يضر بالأمة أو يقلقها؛ لأن من أطاع مليكه وهو ظالم يعبده لا شك وهو عادل.
وما حدث في الأمة اليابانية وحكومتها يؤيد من هذا القبيل حجتنا، وإننا لنكتفي بهذه الإشارة إلى ما جاء في الخطاب عن عدم أهلية الأمة؛ لأن ما مضى قد مضى ومجلس النواب قد عاد ليحيا إن شاء إلى ما يشاء الله.
ولكن في الخطاب مأخذ آخر للانتقاد، وعلى النواب والصحافيين أن يتيقظوا لمثل هذه التمويهات السياسية وليذكروا - دام فضلهم - بأن حكومتنا النيابية اليوم لم تزل مكتنفة بظل حكومتنا الأمس المظلم الكثيف، وإلى أن تخرج من تحت هذا الظل وتنفض عنها غبار السياسة القديمة سيبقى التمويه سائدا بين العرش والنواب أو بين الحكومة والأمة. وإنها - والله - لفاتحة غير حميدة ونحن في فجر حياة جديدة؛ لأن الحكومة التي تخرج من باب العسف والظلم فتدخل توا باب التمويه والمواربة لا تكون قد حققت آمال الأمة والوطن، إذا ماذا عسى أن يراد في ما جاء في خطاب العرش من أن السبب في إعادة مجلس النواب هو أن الأمة - والسعي في الثلاثين سنة الأخيرة لنشر المعارف كان متواصلا - أصبحت الآن أهلا لأن تحكم نفسها بنفسها، فهل يراد بكلام العرش أن الفضل للحكومة في نشر المعارف والعلوم في الأمة؟ أو أن بين الوزراء من يحسن المجون ويجد حتى في هذا الوقت فرصة للمداعبة.
ومن يجهل أن الحكومة الماضية سعت سعيا جميلا لنشر العلوم والمعارف بواسطة المراقبة؟ ومن ينكر بأن الجاسوسية كانت لها يد طويلة في زرع بذور الحرية، ومن لم يعلم بأن نور الحق والمساواة كان ينبعث على المابين من قعر البوسفور، وأن أشعة الدستور كانت تنعكس على العرش من منفى الأحرار ومن نجومهم الآفلة؟ أجل إن حكومتنا في الأمس كانت تروض الأمة وتؤدبها لتكون أهلا لحكومة نيابية، فالمراقبة والجاسوسية أستاذا الأمة الماهران والبوسفور والمنفى هما الفلق والقضيب، والحمد لله قد تحررنا بعد أن تكسرت رءوسنا وأرجلنا.
إن حكومتنا النيابية إذا لهي من مكارم حكومتنا الاستبدادية، شيء والله جميل! فمن يقول الآن: إن العوسج لا يثمر ثمرا طيبا؟ بل إن دستورنا هو من بنات مكارم «مالك رقاب العباد» لا نتيجة سعي الأحرار والجند لرفع النير عن رقاب العباد، فإن كان كذلك فلم لم يتكرموا به قبل أن جمع نيازي جنوده واستل أنور حسامه؟
لا يا أيها الإخوان، لا يحق أن يقال ذلك في هذا الزمان، واعلموا أننا في زمن لا يرد فيه تيار العلم مهما اشتدت المراقبة ولا يطفأ فيه مصباح الحرية مهما تعاظم الظلم والاستبداد، وأن ما جاءنا من أمواج هذا التيار ومن نور هذا المصباح فمن روح الزمان جاء لا من أرباب العرش والتيجان.
وقد تحررت الأمة العثمانية الآن وحبطت مساعي من حاول دفع هذا التيار العظيم وإطفاء هذا المصباح الكريم. ومن المغالطات أن ظلم الحكومة الماضية واضطهادها الأحرار وضغطها على المطبوعات ... إلخ تدعى كلها في خطاب العرش «السعي لنشر المعارف» فإذا كانت الصحافة لا تحتج على مثل هذا الادعاء والنواب لا يتحذرون من مثل هذا التمويه فحالتنا في نور الدستور والحرية لم تزل كما كانت في ظلام الظلم والفساد.
أشرنا في بدء كلامنا إلى أن النطق الشاهاني كتب بمؤازرة الوزراء - أو على الأقل - بمؤازرة الصدر الأعظم، وكل خبير في شئون الحكومات الملكية يعلم أن خطاب الملك لا يكون من قلم واحد ورأي واحد، بل هو غالبا نتيجة جلسات عديدة ومفاوضات طويلة بين الحاكم ووزرائه، ولو فرضنا أن الملك يستقل في عمله هذا كما يفعل إمبراطور ألمانيا مثلا فلا بد من أن يطلع على كلامه الوزير الأكبر قبل أن يلفظه فيغير وينقح فيه ليوافق الأحوال.
وخطاب العرش إلى مجلس نواب الأمة العثمانية لا يستثنى من هذه القاعدة، وفي الوزراء من هو من جمعية الاتحاد والترقي على ما نظن أو فيهم - على الأقل - من إذا أصدرنا منشورا باسم الجمعية يردفه بلفظة «المقدسة» فهل بدأت زعماء الأحزاب بالمجاملة والمخاتلة يا ترى، لا سمح الله، ولكن العبارة هذه، أي: «السعي في نشر المعارف» هي مقصودة لا شك والمقصود فيها - أيها الإخوان - التمويه والمواربة، وأنصار جمعية الاتحاد والترقي في مجلس الوكلاء يعرفون ذلك ويغضون الطرف ساكتين، وما ضرهم لو أعطوا الآن كل ذي فضل فضله، وتحروا الصدق في أول خطاب من خطب العرش لمجلس الأمة، ما ضرهم لو أهملوا - في الأقل - ذكر أمر لا يستطيع أن يوارب أحد فيه دون أن يشعر بنفور في نفسه من نفسه إذا لم نقل باستياء الناس طرا.
Halaman tidak diketahui