Kisah Falsafah Yunani
قصة الفلسفة اليونانية
Genre-genre
هذه الغاية، وإن شئت فقل الذروة العليا للموجودات، وإن شئت فقل الصورة المجردة، هي التي يسميها أرسطو «الله»، ويقول إنه هو الموجود حقا؛ لأن له أتم «صورة»، وكلما قارب الشيء من كمال الصورة كان أقرب إلى الحقيقة، وهو العلة الصورية (والغائية والمحركة لهذا العالم) وإذ كان الله مثلا أو فكرة أو عقلا، وإذ كان هو العلة الغائية كان هو غاية الغايات، وهو الذي يسعى إليه ويقصد نحوه كل موجود، وإذ كان هو العلة المحركة كان هو المحرك الأول للعالم وهو مصدر كل حركة، وإن كان هو ليس متحركا؛ إذ لو كان متحركا لتحرك إلى غاية، وقد قدمنا أنه غاية الغايات، وليس يعني بقوله: «إنه محرك العالم» أنه يدفعه دفعة ميكانيكية من خلفه، وإنما يعني أنه يجذبه إلى غايته، والعالم لا أول له في الزمن، وإنما سبقه الله كما تسبق المقدمة النتيجة - كذلك لا نهاية للعالم؛ إذ لو كان له نهاية لكانت نهايته صورة مجردة - وهي كما أسلفنا لا وجود لها في الخارج.
يقول أرسطو: إن الله فكرة، ولكنه فكرة أي شيء؟ إنه لما كان صورة مجردة فليس صورة لمادة، ولكن هو صورة الصورة، فهو فكرة الفكرة، فهو يفكر في نفسه بنفسه، هو المفكر والمفكر فيه، فكما أن الإنسان الفاني يفكر في شيء فإن كذلك الله يفكر في الفكر، لا يفكر في شيء خارج عنه، وهو يعيش في سعادة أبدية وسعادته هي تفكيره الدائم في كماله.
وقد تساءل بعضهم: هل الله في نظر أرسطو «مشخص»؟ وهو سؤال لم يثره أرسطو وإنما أثاره المحدثون، وقد اختلفوا في الإجابة عنه، فبعضهم يرجح أنه مشخص، ويستدل بما ورد في كلام أرسطو من التعبير عن الله بالموجود المطلق، ومن قوله إنه يعيش في سعادة أبدية، وهذه تعبيرات تدل على أنه مشخص له وجود مستقل شاعر بنفسه، ولا يصح لنا ان نقول إن هذه التعبيرات مجازية؛ لأن أرسطو كان ينتقد على أفلاطون عباراته التمثيلية والمجازية، وألزم نفسه بالتعبيرات الدقيقة ، وتحرى أن يعبر عن أفكاره من طريق الحقيقة لا المجاز.
ويرى آخرون أن الله في نظر «أرسطو» ليس مشخصا، بدليل أنه عبر عنه بأنه الصورة المجردة، والصورة المجردة عامة شائعة وليست مشخصة، ومن وجه آخر فالصورة من غير مادة لا وجود لها، وإذ كان الله على تعبير أرسطو صورة لا مادة لها فهو ليس له وجود مشخص مستقل، وهذا الاضطراب في تخريج كلام أرسطو يدل على أن تحديد معنى الله في كلامه غير واضح صريح. (3) فلسفته الطبيعية
يرى أرسطو أن الموجودات في هذا العالم متدرجة في الرقي، وأنها واقعة بين نهايتين: هيولى لا صورة لها، وصورة لا هيولى لها، ووظيفة الفلسفة الطبيعية عند أرسطو هي تبيين النشوء والارتقاء الذي سلكه العالم من هيولى إلى صورة.
إذا أردنا أن نفهم الطبيعة وجب أن نعرف جملة حقائق؛ أولا: أن هذا العالم في سيره من الهيولى إلى الصورة يتحرك نحو غاية، فكل شيء في الوجود له غاية وله وظيفة يؤديها، ولا شيء في الوجود يتحرك لا إلى غاية، والطبيعة تعمل خير ما يمكن للسير في هذا السبيل، وفي كل شيء دلالة على سير الطبيعة إلى غرض وغاية معقولة، فحركات العالم ليست حركات ميكانيكية مجردة عن القصد، إنما كل حركاته حتى الميكانيكية منها موجه إلى غاية.
ويجب ألا نفهم من هذا أن كل موجود إنما يتحرك لخدمة الإنسان، فالشمس تتحرك لتضيء له نهارا والقمر ليلا، والنبات والحيوان خلق لطعامه وهكذا! نعم إن كل الأشياء التي هي أحط من الإنسانية تتجه نحو الإنسان، وغايتها هو الإنسان، بحكم أنه أعلى منها في سلم الرقي، ولكن مع هذا فكل موجود مهما انحط له وجود ذاتي وله غاية ذاتية، وهي موجودة لنفسها لا لنا.
ويجب الحذر أيضا من أن تفهم من قولنا : إن العالم يسير إلى غاية، أنه شاعر بنفسه عارف بغايته، فالنحل مثلا يعمل لغاية معقولة ولكنه لا يعقلها، إنما يعملها بغريزته لا بعقله، والموجود الذي يشعر بغايته في عالم الأرض هو الإنسان وحده، أما ما عداه فيسير إلى الغاية من غير شعور وتفكير، حتى الجماد يسير إلى غاية كذلك، فخصائصه التي فيه توضح سيره إلى غاية معقولة، ولكنه هو لا يعقلها، والعالم وإن كان يسير إلى غاية معقولة فهو سائر بالغريزة وبالطبع، وإن شئت فقل بالإلهام، من غير أن يكون أمام عقله غاية واضحة يضع الخطط للسير إليها.
في عملية النشوء والارتقاء تجذب «الصورة» العالم إلى الرقي دائما، والهيولى تعوقه وتؤخره، فحركة العالم تتلخص في «جهد الصورة لتشكل الهيولى ومقاومة الهيولى للصورة»، ولما كان للهيولى قوة المقاومة لم تنجح الصورة دائما بل فشلت أحيانا، وهذا هو السبب في أن الصورة لا توجد من غير هيولى؛ لأنها لا تستطيع أن تتغلب غلبة تامة على مقاومة الهيولى، وهذا هو السبب أيضا في وجود فلتات الطبيعة، وغرائب الخلقة والإجهاض، والولادة غير الطبيعية، ففي هذه كلها فشلت الصورة في صوغ الهيولى، أو بعبارة أخرى فشلت الطبيعة في تحقيق غايتها؛ ولهذا يجب على العلم أن يعنى بدراسة الأشياء الطبيعية العادية لا الشاذة، ففي الأشياء الطبيعية العادية يستطيع العلم أن ينظر الغاية التي تسعى إليها الأشياء، وبواسطة هذه الغاية وحدها يمكن فهم العالم، ويكثر أرسطو من استعمال كلمة الأشياء «الطبيعية» و«اللاطبيعية» ويعني بالأولى ما حقق غايته، أو ما غلبت فيه الصورة الهيولى، وعكسها اللاطبيعية. •••
يتكلم أرسطو بعد ذلك على الحركة والزمان والمكان، ويرى أن الحركة هي سير الهيولى إلى الصورة، وهي أربعة أنواع؛ الأول: الحركة التي تؤثر في عنصر الشيء إيجادا وإعداما، الثاني: الحركة التي تغير الكيف، الثالث: الحركة التي تغير الكم زيادة ونقصا، الرابع: حركة الانتقال أو تغير المكان، وهذا الأخير هو أهمها.
Halaman tidak diketahui