Kisah Falsafah Moden

Zaki Najib Mahmud d. 1414 AH
85

Kisah Falsafah Moden

قصة الفلسفة الحديثة

Genre-genre

كانت فلسفة «هجل» في أول مراحلها متصلة أشد اتصال بفلسفة «شلنج» كما رأينا، ولكنه يعود فيرفض الطريقة التي اتبعها «شلنج» في الوصول إلى فكرة «المطلق»،

10

إذ فرض «شلنج» وجود المطلق فرضا دون أن يدرسه أو يقيم على وجوده الدليل، فلقد أخرج الفكرة بغتة كما تطلق «رصاصة من غدارة»، فجاءت مفاجئة، لم يحاول أن يبين فيها خطوات تطورها وتكونها، هذا وإنه لينقذ فكرة «شلنج» عن «المطلق» القائلة بأنه لا حركة فيه، وتنمحي عنده كل وجوه الاختلاف، فيعلق «هجل» على ذلك بقوله إنه إذن «كالليل الذي تكون فيه كل الأبقار سوداء.» وأراد «هجل» أن يبين أن «المطلق» لا ينبغي أن يفرض فرضا، بل لا بد لنا أن نستنتجه استنتاجا يقوم على أساس من العقل، ثم لا ينبغي أن نصوره لأنفسنا ذاتا مجردة تنمحي فيها كل وجوه الخلاف، وعنصرا ساكنا لا حركة فيه، بل يجب أن ننظر إليه كروح حية منتجة تنبثق منها كل الأشياء النهائية الجزئية. ويقول «هجل» في تعريف المطلق بأنه روح، واستكشاف تلك الروح وفهمها هو الغرض من كل فلسفة وكل ثقافة، وهي النقطة التي تتلاقى عندها فروع المعرفة جميعا من علم ودين.

يقول «هجل»: إن إدراك الإنسان للكون يحتم عليه أن يبحث عن تعليل للكون، ولكن لا يجوز أن نصل إلى حقيقة العالم عن طريق التصوف الذي سلكه «بوهمه»، ولا عن طريق البصيرة والإلهام الذي اتخذه «جاكوبي» إنما الوسيلة الوحيدة لتلك الغاية هي انتقالنا من مراتب العقل الدنيا إلى مراتبه العليا. ومن هذا نرى أن «هجل» لا يرفض صورة من صور الإدراك العقلي سفلت أو علت، بل هو يرى أن تلك المراحل العقلية ضرورية كلها للوصول إلى معرفة الحقيقة السامية، إذ ليس هناك صنفان من الحقيقة؛ إحداهما تدرك بالإدراك العادي، والثانية يدركها العقل السامي، فمهما يكن إدراك الرجل العادي - لنفسه وللعالم - مهوشا ومحدودا، فهو رغم كل هذا إدراك عقلي، وليست وظيفة الفلسفة أن تنكر ما يحتويه فكر الرجل العادي عن الأشياء، بل واجبها أن توسعه وتصححه، ومن رأيه أن الفلسفة لا يمكن أن تؤيد مرحلة التآلف الأعلى الذي ينتقل بالفكر من النهائي إلى اللانهائي إلا إذا اعترفت اعترافا تاما بنقطة الابتداء. ولقد وردت في مقدمته التي صدر بها فلسفته في الحقوق

Right

هذه العبارة: «إن ما هو عقلي حقيقي، وما هو حقيقي عقلي.» وهذه تعد مفتاح فلسفته كلها، فالحقيقة كلها تعبر عن العقل، والكون كله يحقق وجود الفكر، بل العالم هو الروح المفكرة قد تطورت.

لقد كان «المطلق» في أول أمره فكرة خالصة أزلية، ثم هبط إلى الطبيعة حيث تحول إلى لا شعور، ثم عاد فاستيقظ في الإنسان، ثم أخذ يحقق نفسه فيما ينشأ في العالم من نظم اجتماعية وفن ودين وعلم، فازداد بذلك ثروة وكمالا، ثم عاد إلى نفسه آخر الأمر مرة ثانية.

ويجمل بنا الآن قبل أن نتناول فلسفة «هجل» بشيء من التفصيل أن نوجز للقارئ المميزات الثلاث لفلسفته، فقد يعين ذلك على تيسير فهمه وإساغته: (1)

ولعل أميز ما تمتاز به فلسفة «هجل» رأيه القائل بأن الحقيقة النهائية التي هي أساس الحقائق جميعا هي العقل أو الروح، الذي لا يبلغ مرتبة إدراك نفسه إدراكا كاملا إلا إذا اجتاز عدة مراحل سابقة واستوعبها في نفسه ... إن قوام الحقيقة هو الفكر، والفكر وحده، ولا بد من تفسير كل شيء تفسيرا عقليا، وليس هناك للحقيقة مقياس تختبر به سوى الفكر. لقد كانت الحقيقة والفكر عند هجل - كما كانا عند أرسطو - عبارتين مختلفتين لمدلول واحد، فالفكر هو صلب الحقيقة، أو بعبارة أخرى: الفكر كل يحوي كل الحقائق الصغرى ... الفكرة والشيء الواقعي حقيقة واحدة، وليست كل تلك الحقائق الواقعة إلا كشفا عن الفكرة وتعبيرا لها. (2)

وينشأ من ذلك مميز آخر لوجهة نظر «هجل» وأعني بها رأيه بأن «الفكر وحدة عضوية» هو وحدة ذات أجزاء منفصل بعضها عن بعض، ولكنها في الوقت عينه متصلة مرتبطة، فأنت ترى الكل ممثلا في كل جزء، كما أن كل جزء موجود في الكل، ولكن هذا الكل المشتمل على أجزائه يكون في النهاية بهذه الأجزاء نفسها كائنا عضويا متحدا، إذ لم توضع أجزاؤه فيه وضعا آليا (أي شيئا إلى جانب شيء)، بل هو مجموعة متدرجة متماسكة مرتبطة الأجزاء، وكل جزء من الكل له علته التي تبرر وجوده، بل التي تفرض وجوده وتحتمه، وكل جزء موجود من أجل الكل وبسببه، ولكن على الرغم من أن الأجزاء كلها ضرورية لا بد من وجودها، فإنها تقف بإزاء بعضها موقف الأرفع والأوضع، والمراتب السفلى منها تنتقل إلى العليا، ولكنها لا تنمحي من الوجود في عملية الانتقال، بل هي موجودة متصلة الحياة، وكل ما حدث لها تحول من صورة سفلى إلى صورة عليا: «إن كم الزهرة يختفي إذا ما تفتحت الزهرة، ويخيل إليك أن بين الكم والزهرة شيئا من التضاد، ثم تجيء الثمرة بعدئذ فتعلن بوجودها أن الزهرة صورة زائفة من صور وجود النبات، وهكذا تنتقل حقيقة كل واحدة منها إلى حقيقة الأخرى. وليست هذه الصور متميزة بعضها عن بعض فحسب، بل إن الواحدة منها لتسحق الأخرى باعتبارها مضادة لها، ولكن طبيعتها التي تسري فيها كلها تكون منها دقائق من الوحدة العضوية التي تتآخى فيها فلا تعارض إحداها الأخرى، بل إن الأمر بينها لا يقف عند حد عدم التعارض، ولكن كلا منها يكون لوجوده من الضرورة ما للأخرى تماما، وهذه المساواة في الضرورة تؤلف حياة الكل.» فمراتب الفكر إذن أجزاء متعاونة من مجموع الحقيقة، ولا يعرف منطق الوجود تعاقبا في الأفكار، أي أن يكون بين الأفكار سابق ولاحق، بل إن كل فكرة تتضمن الأخرى، وكلها معا - السابق منها واللاحق، السافلة منها والعالية - يحوي بعضها بعضا ... والتاريخ هو تجلي الحقيقة المطلقة التي ينقطع وجودها. (3)

Halaman tidak diketahui