والفصل الثانى: وهو أن النسخ جائز وأن لم يشعر عند التكليف بالنسخ وقال المتكلمين لا يجوز ما لم يشعر عند الخطاب بالنسخ وزعموا أنه إذا لم يشعر بالنسخ يؤدى إلى الإلباس وعندنا هذا ليس بشرط وترك الإشعار لا يؤدى إلى ما ذكروه والدليل عليه أن عامة ما وجد من الناسخ والمنسوخ فى شريعتنا لم يعرف فى ذلك إشعار ومن ادعى معرفة ذلك للصحابة ابتداء التكليف يكون مباهتا قطعا ولأن الإشعار بالنسخ لأى معنى يجب وأى حاجة وقعت إلى ذلك وإذا اعتقد المخاطب أن الله تعالى يأمر بما شاء واعتقد أنه يجوز أن يكون فعله للشىء مصلحة فى وقت مفسدة فى وقت فكيف يقع له الحاجة إلى الإشعار الذى ذكروه يدل عليه أنه لو وجب الإشعار بما يزيل الأمر من النسخ لوجب الإشعار بما يحدث من الأمراض المسقطة للأمر وحين لم يجب الإشعار فى تلك الصورة كذلك فى النسخ لأنها فى المعنى واحد وقد ظهر الجواب عما قالوه من فصل الإلباس فيما قلناه والله أعلم.
فصل: ما يجوز نسخه وما لا يجوز
...
فصل: إذا عرفنا معنى النسخ وجوازه سنذكر ما يجوز نسخه وما لا يجوز فنقول:
أن النسخ لا يجوز إلا فيما يجوز وقوعه على وجهين كالصلاة والصوم والعبادات الشرعية فأما ما لا يجوز أن يكون إلا على وجه واحد مثل التوحيد وصفات الله ﷿ فلا يصح فيه النسخ وعبر بعضهم عن هذا فقال أن النسخ لا يقع فى موجبات العقول وإنما يقع فى مجوزات العقول١ ولذلك قال النبى ﷺ: "أن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت" ٢ وذلك أن الحياء غريزة فى الإنسان محمودة حسنة فى العقول وهو قائم بعينه ونفسه فلم يجز أن يتناسخه الأديان والشرائع فكان ذلك مستمر فى الشرائع على وجه واحد باقيا ما بقى التكليف وفى هذا كلام كثير ومرجعه إلى الكلام ولا حاجة بنا إليه ومما لا يجوز النسخ فيه ما أخبر الله تعالى من أخبار القرون الماضية والأمم السالفة وكذلك ما أخبر من الكوائن فى المستقبل من خروج الدجال وغير ذلك لا يجوز فيه النسخ وجوز بعض الأشعرية نسخ الخبر فى المستقبل ويمنع من ذلك فى الماضى وأجاز قوم نسخ الأخبار فى الماضى والمستقبل جميعا٣.
١ انظر إحاكم الأحكام للآمدي ٣/٢٥٧ نهاية السول ٢/٥٧٥ المحصول ١/٥٤٨ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٨١.
٢ تقدم تخريجه.
٣ نهاية السول ٢/٥٧٦، ٥٧٧ إحاكم الأحكام للآمدي ٣/٢٥٧ المحصول ١/٥٤٨ انظر أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٥٦.